مكية | رقم السورة: 21 - عدد آياتها : 112 عدد كلماتها : 1,174

بين سورتي طه والأنبياء ترابط متين يمس القلوب بيقين حاسم؛ ويتضح هذا في وجوه عدة:

  1. الرد الفوري على التربص والانتظار: خُتمت سورة طه بأمر كفار مكة بالتربص والانتظار لرؤية مصيرهم: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ…)، وتفتتح سورة الأنبياء مباشرة بإيقاظهم بعنف من هذا التربص البارد، معلنة أن وقت الحساب قد دنا جداً وهم غافلون: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ). فكأن السياق يقول لهم: إن كنت تتربصون وتنتظرون، فاعلموا أن الموعد قد أزف وقرب.
  2. النهي عن فتنة الدنيا: أمر الله نبيه في أواخر طه بألا يمد عينيه إلى زينة الحياة الدنيا التي أوتيها الكفار للفتنة: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا…)، وجاء مطلع الأنبياء ليعلل هذا النهي؛ فالدنيا زائلة زوالاً سريعاً، والحساب والوقوف بين يدي الله قريب جداً، فلا قيمة لزينة تذهب بلمح البصر ويُسأل العبد عن قليلها وكثيرها.
  3. وحدة الرسالة والأنبياء: تفصل سورة طه في قصة نبي واحد وهو موسى عليه السلام وتذكر في نهايتها قصة آدم، لتأتي سورة الأنبياء وتجمع أكبر جمع من الأنبياء الكرام في سياق واحد (موسى، هارون، إبراهيم، لوط، نوح، داود، سليمان، أيوب، إسماعيل، إدريس، ذو الكفل، يونس، زكريا، يحيى، عيسى)، لتؤكد أن منهجهم ودعوتهم للتوحيد واحدة، وأن تضرعهم لله كان طوق نجاتهم من كل بلاء.
📖 الفهرس
→ الجزء السابق سورة الأنبياء · الجزء 1 من 1 الجزء التالي ←
المجلس الأول: غفلة البشر وحتمية الحساب ووحدة الرسالة (الآيات: 1 - 29)
ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ (1) مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ (2) لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ (4) بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ (5) مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ (6) وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ (9) لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (10) وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ (11) فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ (12) لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ (13) قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ (14) فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ (15) وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ (16) لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ (17) بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ (20) أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ (21) لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ (23) أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ (24) وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ (25) وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ (26) لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ (27) يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ (28) ۞وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ (29)

( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) … وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) )

لماذا الآن؟

بعد أن أمر الله المعاندين في ختام سورة طه بالتأني والانتظار لرؤية العاقبة، يفتتح هذا المجلس الأول ليعلن صرخة إيقاظ قوية للقلوب البشرية تنهي هذا الانتظار البارد؛ معلنة أن وقت الحساب والوقوف بين يدي الله قد اقترب جداً وهم في نوم وغفلة عميقة، لتبدأ الآيات في محاكمة مواقفهم وشبهاتهم خطوة بخطوة.

فيبدأ المقطع بإعلان الحقيقة الكبرى والمفاجئة: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ).

ولما قرر في الآية الأولى غفلتهم وإعراضهم، انتقل في الآية التالية ليوضح مظهر هذا الإعراض السلوكي في حياتهم اليومية؛ فهم لا يستمعون لآيات الوحي بجدية، بل بقلوب لاهية منشغلة باللعب: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ).

ولأن قلوبهم لاهية ومستخفة بالحق، كان من الطبيعي أن ينتقل النظم الحكيم ليفضح أحاديثهم السرية ومؤامراتهم الخفية التي يحيكونها؛ حيث يتساءلون منكرين بشرية الرسول ﷺ ويدعون أن دعوته مجرد سحر: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ).

ولما فضح الله نجواهم السرية في الآية السابقة، جاء الرد الفوري من الرسول ﷺ ليصعقهم في الآية التالية؛ مبيناً لهم أن مؤامراتهم مكشوفة لأن الله يسمع السر والعلن في الأرض والسماء: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

ولما عجزوا عن مواجهة هذه الحقيقة الإلهية، انتقل السياق ليعرض تخبط عقولهم وحيرتهم في وصف القرآن؛ فتارة قالوا أحلام مضطربة، وتارة قالوا كذب افتراه، وتارة قالوا هو شعر، وطالبوا بمعجزة مادية خارقة تعجز النبي: (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوْلُونَ).

وهنا، يرد النظم الإلهي الحكيم في الآية التالية على هذا المقترح التعجيزي بقانون تاريخي صارم؛ فكل القرى السابقة التي اقترحت مثل هذه الآيات وجاءتها كذبت بها فأهلكها الله، فهل سيؤمن هؤلاء إن جاءتهم المعجزات؟: (مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ).

ولما رد على جحودهم بالآيات المادية، عاد في الآية التالية ليفند شبهتهم الأساسية التي ذكروها في الآية الثالثة وهي (هل هذا إلا بشر مثلكم)؛ فقرر سبحانه أن الرسل عبر التاريخ كانوا جميعاً بشرًا من الرجال يوحى إليهم، ولم يكونوا ملائكة: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

ولكي يؤكد بشرية الرسل ويدحض فكرة خروجهم عن السنن البشرية، جاءت الآية التالية لتوضح أنهم لم يكونوا أجساداً نورانية لا تأكل الطعام، ولم يكونوا مخلدين لا يموتون: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ).

ولأنهم بشر عاديون يواجهون التكذيب والأذى، كان لا بد من إظهار معية الله لهم، فجاءت الآية التالية لتبين نصر الله للرسل المستضعفين وإهلاك المفسدين المكذبين: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ).

وبعد أن حذر المكذبين بمصارع الغابرين، التفت السياق بامتنان ولطف في الآية التالية ليوجه الأنظار إلى عظمة هذا القرآن المنزل؛ فهو شرفهم وعزهم الحقيقي لو عقلوا: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

ولما دعاهم للعقل والتمسك بالكتاب، جاءت الآية التالية لتحذر المعرضين عن هذا الشرف بمصير القرى الظالمة التي قصمها العذاب فجأة: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ).

ثم يتصل مشهد الهلاك في الآيات التالية ليرسم لنا عجزهم وخوفهم؛ فحين شعروا بوقع العذاب حاولوا الهروب فراراً: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ).

فقيل لهم تهكماً واستهزاءً بكبرهم: لا تهربوا وارجعوا إلى نعمكم وقصوركم لتُسألوا عنها: (لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ).

وهنا، اعترفوا بظلمهم وأقروا بذنبهم ولكن بعد فوات الأوان: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ).

فظل هذا صراخهم وندمهم الصامت حتى أبادهم العذاب وأحالهم كالعشب المحصود الهامد: (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ).

ولكي يبين الله تعالى أن إهلاك المكذبين وبناء الوجود يسير وفق حكمة بالغة وليس عبثاً، جاءت الآية التالية لتقرر أن خلق السماوات والأرض لم يكن لعباً أو باطلاً: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ).

فلو أراد الله اللعب واللهو لاتخذه من قدرته بما يناسب جلاله، ولكنه منزه عن ذلك: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ).

بل إن سنة الله الحاكمة للكون هي إحقاق الحق وإبطال الباطل بدمغه وإزالته: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْأَبَاطِيلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ).

ولما قرر أن الكون مخلوق بالحق وقائم عليه، جاءت الآية التالية لتثبت ملكيته المطلقة لكل من في السماوات والأرض، وأن الملائكة الكرام قائمون على عبادته وتسبيحه بلا استكبار: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ).

وبعد أن أثبت خضوع أهل السماء والأرض لله، التفت السياق في الآية التالية مستنكراً ومحاكماً عقول المشركين الذين اتخذوا آلهة عاجزة من طين الأرض لا تملك نفعاً ولا ضراً: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ).

ثم يقيم القرآن في الآية التالية البرهان العقلي والكوني الأعظم (برهان التمانع)؛ فلو كان في هذا الكون آلهة متعددة تدبر شؤونه لاختلفوا وفسد نظام الكون، ولكن استقرار السماوات والأرض يثبت وحدانية الخالق: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).

ولأن الإله الحق يجب أن يكون مهيمناً متفرداً بالسلطان، جاءت الآية التالية لتقرر كمال ربوبيته؛ فهو سبحانه لا يُسأل عن قضائه لعظمته، بينما الخلائق يسألون عن أعمالهم لضعفهم وعجزهم: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).

ولما قرر تفرد الله بالملك والسلطان، عاد في الآية التالية ليطالب المشركين ببرهان ودليل على أصنامهم، متحدياً إياهم أن يأتوا بكتاب يشرع عبادتهم، ومؤكداً أن هذا التوحيد هو نهج كتب الأولين والآخرين: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ).

ليتوج هذا المجلس العظيم بإعلان القاعدة الموحدة والذهبية لجميع الرسالات الإلهية عبر التاريخ؛ فالرسل على اختلاف أزمانهم وأماكنهم لم يرسلوا إلا بوحي الوحدانية الخالصة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).

ولما قرر أن الوحدانية هي نهج الأنبياء والملائكة، انتقل ليفند أشنع دعوى افتراها المشركون ونسبوها للأنبياء أو الملائكة وهي دعوى اتخاذ الولد: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ).

فهؤلاء الذين زعمتموهم أولاداً لله، هم عبيد مكرمون لا يسبقونه بالقول ولا يعملون إلا بأمره وطاعته: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ).

ويعلم الله حاضرهم ومستقبلهم، ولا يشفعون لأحد إلا بإذن الله ورضاه، وهم من هيبته وجلاله خائفون وجلون: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ).

ليختم المقطع بالوعيد الصارم لكل من يدعي الألوهية أو ينازع الله في ملكه؛ فعاقبته الخلود في جهنم عذاباً عادلاً: (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).

وقفة للتأمل:

-تأمل كيف وصف الله القرآن الكريم في قوله: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ). إن كلمة “ذكركم” تحمل معنى الشرف والمجد والصيت الحسن؛ فهذا القرآن هو سر رفعة هذه الأمة وشرفها وتاريخها المجيد، ومتى ما تمسكت به وبأخلاقه وقيمه سادت وذكرت بالخير والمهابة في الدنيا والآخرة، ومتى ما أعرضت عنه وسعت خلف مناهج أخرى أصابها الضياع والخمول وفقدت شرفها ومكانتها بين الأمم.

-تأمل كيف امتدح الله الملائكة الكرام بصفتين عظيمتين تبرزان كمال أدبهم مع الخالق سبحانه: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ). هذا الأدب الإلهي العظيم يعلم المؤمنين كيف يكون الأدب في اتباع الأوامر؛ فلا يتقدم العبد بين يدي شرع ربه برأيه أو هواه، ولا يسبق حكم الله بفكره الخاص، بل يقف مطيعاً مستسلماً، يترقب الأمر ليعمل به فوراً بامتثال وأدب يليق بجلال المعبود.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة كسر الغفلة وإثبات الوحدانية”. فقد ترابطت آياته في تسلسل بديع ومذهل؛ فبدأت بإيقاظ القلوب اللاهية من نوم الغفلة والحساب القريب، ثم فندت شبهة المشركين حول بشرية الرسول بموازين التاريخ وبشرية الأنبياء السابقين. ثم تدرج السياق ليقيم برهان خلق الكون بالحق ودفع الباطل، مثبتاً وحدانية الله ببرهان التمانع العقلي، لينتهي هذا التطواف الشريف بوصل سلك الأنبياء والملائكة جميعاً في مقام العبودية الخاشعة لله ونبذ دعاوى الشريك والولد، ممهداً بذلك لتقديم براهين الكون والآيات المشهودة في المقطع التالي.


المجلس الثاني: براهين الكون وعقيدة التوحيد (الآيات: 30 - 47)
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ (30) وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ (31) وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ (32) وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ (33) وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ (34) كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ (35) وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ (36) خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ (38) لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ (39) بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ (40) وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ (41) قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ (42) أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ (43) بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ (44) قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ (45) وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ (46) وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ (47)

( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا … وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ (47) )

لماذا الآن؟

بعد أن أقام المجلس الأول الحجج العقلية لإثبات التوحيد وفند شبهات المعاندين حول الرسل وبشريتهم، ينتقل بنا النظم القرآني الحكيم في هذا المجلس ليقدم الأدلة المشهودة والبراهين الكونية المرئية. فما دام الله هو الإله الواحد المستحق للعبادة، فها هي براهين ربوبيته وقدرته مبثوثة في آفاق الكون (في السماء والأرض، والماء والرياح، والجبال والأجرام الكونية)، ليرى القارئ تهافت كفرهم واستهزائهم في مقابل عظمة الخالق، مذكراً إياهم بحقيقة فنائهم وحتمية الحساب العادل.

فيبدأ المقطع بإقامة أول برهان كوني مذهل في خلق السماوات والأرض؛ متسائلاً بكيفية توبيخية عن عمى قلوبهم عن رؤية أن السماء والأرض كانتا كتلة واحدة ملتحمة ففصل الله بينهما، وجعل من الماء سر الحياة لكل كائن حي: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ).

ولما فتق الله السماء والأرض وجعل الماء حياة للجميع، كان لا بد للأرض أن تستقر لتصلح للحياة، فجاءت الآية التالية لتبين تثبيت الأرض بالجبال الراسيات وتعبيد الطرق والممرات ليسلكها الناس ويهتدوا في أسفارهم: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ).

ومن استقرار الأرض وطرقها، يرتفع نظر القارئ في الآية التالية نحو السماء؛ ليرى برهاناً آخر في جعلها سقفاً قوياً محفوظاً من السقوط والفساد، ومع ذلك يمر المشركون على آياتها معرضين لا يتفكرون: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ).

ولكي يفصل هذا الإعراض ويوضح ما في هذا السقف المحفوظ من آيات باهرة، جاءت الآية التالية لتكشف عن نظام تعاقب الليل والنهار وحركة الشمس والقمر اللذين يجريان بدقة تامة في مداراتهما الخاصة: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).

ولما ذكر حركة الشمس والقمر الجارية في أفلاكها بلا توقف، بينما حياة البشر قصيرة تنتهي بالموت، وكان الكفار يتمنون موت النبي ﷺ ليتخلصوا من دعوته، جاءت الآية التالية لتقرر حقيقة الموت المطردة على الجميع؛ فلا خلود لبشر على هذه الأرض، وإن مات الرسول فلن يخلد المكذبون بعده أبداً: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ).

ولكي يعمم قاعدة الفناء والموت ولا يحصرها بشخص، جاءت الآية التالية لتعلن القانون الصارم على كل حي؛ فكل نفس ستذوق الموت حتماً، والحياة الدنيا ليست إلا دار اختبار وتمحيص بالشر والخير قبل المرجع الأخير لله: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).

ولأنهم يعيشون في غفلتهم وكأنهم مخلدون في الدنيا لا يموتون، انتقل السياق في الآية التالية ليفضح موقفهم الساخر من النبي ﷺ؛ فهم يستهزئون به قائلين: أهذا الذي يذم آلهتكم؟ بينما هم يجحدون بنعم الرحمن ويكفرون بذكر ربهم: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ).

ولما كان الاستهزاء والسخرية مصحوبين دائماً باستعجال العذاب تحدياً للنبي، جاءت الآية التالية لتفسر طبيعة الإنسان المستعجلة، واعدة إياهم برؤية العذاب والآيات قريباً فلا داعي للاستعجال: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ).

ولكي يصور النظم الإلهي كيفية استعجالهم الوقح، جاءت الآية التالية لتنقل قولهم وتحديهم الساخر عن موعد العذاب الموعود: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).

وجاء الرد الصاعق على سؤالهم في الآية التالية؛ فلو علم هؤلاء حقيقة ذلك اليوم الرهيب الذي ستحيط بهم فيه النار من وجوههم وظهورهم دون نصير، لما تجرؤوا على الاستعجال: (لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ).

ولأنهم استعجلوا موعد العذاب ظناً منهم أنهم قادرون على الاستعداد له، جاءت الآية التالية لتبين أن العذاب سيأتيهم فجأة فيصيبهم بالذهول التام والعجز المطلق عن رده أو تأخيره: (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ).

ولكي يسلي الله قلب نبيه ﷺ أمام استهزائهم واستعجالهم، جاءت الآية التالية لتذكره بمصير المستهزئين بالرسل من قبله؛ وكيف دارت عليهم دائرة السوء وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).

ولبيان عجزهم المطلق وسفاهة استهزائهم، وجهت الآية التالية سؤالاً يبين فقرهم الشديد لرحمة ربهم؛ فمن الذي يحرسهم ويحميهم في ليلهم ونهارهم من بأس الرحمن غير الله؟ ومع ذلك يعرضون عن تذكر نعمته: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ).

أم أن لديهم آلهة أخرى تستطيع حمايتهم من عذابنا؟ كلا، فهذه الآلهة المزعومة عاجزة لا تستطيع حتى نصر أنفسها ولا حماية عابديها: (أَمْ لَهُمْ آلِهةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ).

ولما نفى قدرة آلهتهم على حمايتهم، كان السائل يتساءل: فلماذا يعيشون في أمان دنيوي رغماً عن كفرهم؟ فجاءت الآية التالية لتوضح أن هذا الأمان هو مجرد إمهال ومتعة مؤقتة خدعتهم بطول العمر، متسائلة باستنكار: ألا يرون أن قدرة الله تحيط بهم وتنقص الأرض من أطرافها بفتح بلاد الإسلام وموت قادتهم، فكيف يظنون أنهم الغالبون؟: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ).

وبعد أن أقام البراهين الكونية والتاريخية الباهرة، جاء الأمر للنبي ﷺ في الآية التالية ليعلن براءته من عنادهم؛ فهو منذر بالوحي لمن أراد السمع، ولكن المعرضين كالصم لا يسمعون نداء التحذير: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ).

ولكي يبين زيف هذا الصمم والإنكار، جاءت الآية التالية لتثبت ضعفهم الشديد؛ فإذا لمسهم مجرد نفحة خفيفة من عذاب ربهم، تلاشت كبرياؤهم وصرخوا معترفين بظلمهم لأنفسهم: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَتَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ).

ولما قرر اعترافهم بظلمهم عند ذوق العذاب، ختم هذا المجلس ببيان ميزان العدالة المطلق الذي ينتظر الجميع يوم القيامة؛ حيث تُوضع موازين العدل الدقيقة التي لا تظلم نفساً شيئاً، ويُحاسب المرء على عمله ولو كان بوزن حبة خردل متناهية الصغر: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ).

وقفة للتأمل الأولى:

تأمل الرابط اللطيف والمعجز الذي وضعه الله بين الماء وبين الحياة في قوله: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ). هذه الحقيقة الكونية العظمى لا تقتصر على الحياة المادية للأجساد والنبات والحيوان فقط، بل تمتد لتشمل الحياة المعنوية والروحية للقلوب؛ فالوحي والقرآن هو “الماء المعنوي” الذي أنزله الله من السماء ليحيي به القلوب الميتة بالعلم والإيمان، وكما أن الأرض الجافة تهتز وتربو بالماء، فإن القلوب القاسية تلين وتنبض بالحياة عندما تشرع بالارتواء من آيات القرآن الحكيم.

وقفة للتأمل الثانية:

تأمل دقة القانون الابتلائي الذي صاغه القرآن بكلمات بليغة جامعة: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً). إن الشائع بين الناس أن الابتلاء لا يكون إلا بالشر والمصائب كالحزن والمرض والفقر، ولكن حقيقة ميزان القرآن تخبرنا أن الابتلاء “بالخير” كالصحة، والمال، والفراغ، والجاه، هو اختبار أشد خطورة وصعوبة؛ لأن فتنة المصائب تدفع المؤمن للتضرع واللجوء لربه، بينما فتنة النعم والخير قد تقود الإنسان إلى الغفلة والغرور والاتكال على الدنيا ونسب الفضل لنفسه، فكل نعمة بين يديك هي ساحة اختبار يحتاج العبد فيها للوعي وشكر الوهاب.

وقفة للتأمل الثالثة:

تأمل كيف صور القرآن ضعف الطبيعة البشرية المستكبرة أمام أقل القليل من عذاب الله: (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَتَنَا). إن اختيار كلمة “نفحة” (وهي تطلق على النسمة الخفيفة اللطيفة من الهواء) بدلاً من كلمة “عذاب شديد”، واختيار فعل “مسّتْ” (الذي يدل على مجرد الملامسة الطفيفة)، يبرز مدى تهافت القوة الإنسانية الزائفة؛ فكل ذلك التكبر والاستهزاء والاستعجال يتلاشى ويتحول إلى استغاثة ذليلة واعتراف بالظلم بمجرد ملامسة نسمة خفيفة من عذاب الخالق، فكيف بصعق العذاب كله!

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة الحجة الكونية والعدالة المطلقة”. فقد ترابطت آياته في نسق بديع؛ فبعد أن أقام البراهين المرئية في فتق السماوات والأرض وجريان الأجرام الكونية لإثبات الوحدانية، واجه الإنسان بحتمية فنائه وموته ليدحض غروره وكبره وتكذيبه بالنبي. ثم عرض النظم الحكيم حقيقة عجزهم وضعفهم أمام بأس الله، كاشفاً أن النعمة وطول العمر هما استدراج مؤقت لهم، لينتهي هذا التطواف بالوقوف بين يدي موازين القسط يوم القيامة حيث تتلاشى الهامات العريضة ولا يبقى للعبد إلا وزن حبة الخردل من عمله الصالح، ممهداً بذلك للمقطع التالي الذي يستعرض مواقف الأنبياء الكرام وتضرعهم لله لنيل المعية والنصر.

وقفة تدبرية
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ (30)

 قطعا لم يرى الكفار فصل الارض عن السماء وماكان لهم علم بذلك اذ انه تم قبل خلق البشر! فما المقصود وكيف نزيل هذا الاشكال وما السر البلاغي في هذه الآية والقيمة التربوية وراءها؟

لقد وجّه علماء التفسير (كالطبري، والرازي، والقرطبي، وابن عاشور) معنى الرؤية هنا إلى ثلاثة اتجاهات بديعة متكاملة، يكمل بعضها بعضاً:

  1. رؤية العلم والقلب (رؤية البصيرة):
    في لغة العرب، يُستخدم الفعل “رأى” للدلالة على العلم اليقيني الثابت الذي لا يتطرق إليه الشك، حتى وإن لم يره الإنسان بعينه البصرية. ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفيلِ)؛ فالنبي ﷺ وُلد في عام الفيل ولم يشهد الواقعة بعينه البصرية، ولكن علمه بها كان يقينياً متواتراً كأنه يراها رأي العين. فمعنى (أولم ير الذين كفروا) هنا هو: أولم يعلموا ويبصروا بعقولهم وقلوبهم علماً يقينياً لا شك فيه؟

  2. الرؤية المشاهدة المتجددة (فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات):
    وهو التفسير الذي رواه الطبري عن ابن عباس وعكرمة وقتادة؛ حيث قالوا إن الرتق والفتق ليس حدثاً ماضياً فحسب، بل هو آية مشاهدة متجددة يراها الكفار بأعينهم كل يوم:
    فالسماء تكون رتقاً (مغلقة مسدودة لا تمطر)، فيفتقها الله بالماء والغيوم.
    والأرض تكون رتقاً (يابسة ميتة صلبة لا تنبت)، فيفتقها الله بالشق ليخرج منها الزرع.
    فهم يرون هذا الفتق المتكرر بأعينهم عياناً، وهو ما ينسجم مباشرة مع تتمة الآية: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ).

  3. الرؤية العلمية المستقبليّة (السبق والإعجاز الكوني):
    وهذا من أبلغ أوجه الإعجاز الكوني في الآية؛ فقد خص الله بالخطاب (الَّذِينَ كَفَرُوا) تحديداً دون المؤمنين. والسر في ذلك أن العلم الحديث والتلسكوبات الفلكية وقوانين الفيزياء الكونية (التي اكتشفها علماء غير مسلمين في العصر الحديث) قد أثبتت بالرصد البصري والحسابات الفلكية الدقيقة أن الكون كله (السماوات والأرض) كان عبارة عن كتلة واحدة متناهية الصغر فائقة الكثافة والحرارة (رتقاً)، ثم انفجرت وتباعدت أجزاؤها لتتشكل النجوم والمجرات والأرض (ففتقناهما). فكأن القرآن يتنبأ مستقبلاً بأن الذين كفروا هم من سيبصرون ويرون هذه الحقيقة الكونية بأجهزتهم ومراصدهم الفلكية، لتكون الحجة عليهم قائمة ومبصرة!


ثانياً: السر البلاغي في الآية الكريمة

تزدحم الآية الكريمة بأسرار بلاغية باهرة تبرز عظمة النظم الشريف:

  1. الاستعارة التمثيلية (الرتق والفتق):
    الرتق في اللغة هو سد الخرق والتئام الثوب، والفتق هو الشق والفصل. واختيار هذه الألفاظ (الرتق والفتق) مأخوذ من عالم الخياطة البشري المألوف؛ حيث استعارها الخالق سبحانه ليصور بها عملية فصل الأجرام السماوية الكبرى. والسر البلاغي هنا هو تقريب هذه العظمة الكونية الهائلة لذهن الإنسان البسيط، لتظهر له قدرة الله العظيمة وكأن فصل السماوات عن الأرض بيسر وسهولة كتمزيق أو فصل قطعة قماش!

  2. الاستفهام الإنكاري التوبيخي:
    بدء الآية بـ (أولم ير) يحمل في طياته أسلوب توبيخ وإنكار على بلادة عقولهم؛ فكيف يمرون على هذه الآيات الباهرة والواضحة في الكون وفي إحياء الأرض بالماء ثم يشركون مع الله جمادات لا تخلق شيئاً؟

  3. الطباق البديع:
    الجمع بين الكلمتين المتضادتين (رتقاً) و(ففتقناهما) يسمى في البلاغة “طباق سلب”، وهو يعطي جرساً موسيقياً وتناسقاً لفظياً يشد ذهن السامع ويرسخ الحقيقة العقلية في نفسه.


ثالثاً: القيمة التربوية وراء الآية الكريمة

تغرس هذه الآية في وجدان المتدبر قيماً تربوية وسلوكية هامة:

  1. الارتقاء من الرؤية البصرية إلى الرؤية البصيرية:
    تربي الآية المؤمن على ألا يكتفي بالنظر المادي العابر للأشياء؛ فعندما يرى نزول المطر أو نمو العشب، لا ينظر إليها كظاهرة طبيعية مجردة، بل يرى فيها “يد الفاتق سبحانه” وهي تفتح أبواب الرحمة والحياة.

  2. التواضع أمام عظمة الخالق:
    عندما يتأمل الإنسان أن هذا الوجود الشاسع بسماواته السبع وأرضه وجباله كان كله كتلة واحدة رتقاً ففتقها الله، يدرك حجمه الضئيل والمتناهي في الصغر في هذا الكون، مما يورثه ذلاً وتواضعاً وانكساراً أمام كبرياء الملك الحق سبحانه.

  3. سر الحياة والوحي:
    الربط الإلهي بين فتق الأرض وبين جعل الماء سبباً لكل حياة يورث قيمة تربوية عميقة؛ فكما أن الماء المادي يفتق الأرض الميتة ليعيد إليها الحياة، فإن الماء المعنوي (وهو الوحي والقرآن) يفتق القلوب الميتة والغافلة ليعيد إليها نبض الإيمان والحياة الحقيقية.


المجلس الثالث: الأنبياء وتضرعهم عند البلاء (الآيات: 48 - 90)
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ (48) ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ (49) وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ (50) ۞وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ (51) إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ (52) قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ (53) قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (54) قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ (56) وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ (58) قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ (59) قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ (60) قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ (61) قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ (62) قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ (66) أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (67) قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ (68) قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ (69) وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ (70) وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ (71) وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ (72) وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ (73) وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ (74) وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ (76) وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ (77) وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ (78) فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ (79) وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ (80) وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ (81) وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ (82) ۞وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ (83) فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ (84) وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ (85) وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (86) وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ (87) فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ (89) فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ (90)

( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) … وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) )

لماذا الآن؟

بعد أن أقام المجلس الثاني الأدلة الكونية والبراهين على وحدانية الخالق سبحانه وقرّب موازين القسط للحساب، ينتقل بنا النظم الإلهي الحكيم في هذا المجلس ليعرض لنا التطبيق العملي البشري لهذه العقائد. فها هم صفوة البشرية (الأنبياء الكرام) كيف كانت حياتهم ترجمة حية للتوحيد، وكيف واجهوا الابتلاءات والمحن الشديدة. ويبسط النظم الحكيم بساط التسلية لقلب النبي ﷺ بذكر كوكبة الأنبياء؛ ليرى كيف كان سلاح التضرع والدعاء هو طوق نجاتهم ومعراج خلاصهم من كل كرب وبلاء، مؤكداً وحدة منهجهم وطريقهم.

فيبدأ المقطع بالربط المباشر مع المجلس السابق؛ فحين ذكر موازين القسط يوم القيامة للفصل والفرقان بين الخير والشر، جاءت الآية الأولى لتبين أن الله أعطى موسى وهارون كتاباً يحمل الفرقان والضياء والذكر للاتقاء: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ).

ولما ذكر المتقين في الآية السابقة، جاءت الآية التالية لتوضح صفاتهم الأساسية؛ فهم الذين يخشون عقاب ربهم بالغيب ويخافون من أهوال الساعة التي اقترب حسابها: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ).

ولما كان كتاب موسى ذكراً للمتقين، جاءت الآية التالية لتقرن به كتاب محمد ﷺ؛ فهذا القرآن هو الذكر المبارك الذي أنزله الله، فكيف تنكرونه وتجحدون به؟: (وَهَٰذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ).

ولأنهم ينكرون هذا الذكر المبارك، ينتقل بنا سياق الوحي الكريم في الآية التالية ليعرض قصة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام الذي آتاه الله رشده وهدايته منذ صغره لعلمه بصدق قلبه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ).

ويتصل النظم الحكيم ليفصل هذا الرشد في محاورته لقومه؛ حيث أنكر عليهم عبادة تماثيل لا تضر ولا تنفع: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ). فاعتذروا بالتقليد الأعمى للآباء: (قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ). فبين لهم أنهم وآباءهم في ضلال مبين.

ولما استمروا في غيهم، أعلن إبراهيم في الآية التالية عزمه على تحطيم أصنامهم لإظهار عجزها: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ). فجعلها حطاماً إلا صنمها الأكبر لعلهم يسألونه: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ).

وتسارعت الأحداث؛ حيث تساءلوا بغضب عن فاعل هذا الصنيع، فأشاروا لإبراهيم وحققوا معه علناً: (قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ). فجاوبهم بذكاء وحكمة محجّاً عقولهم بأن يسألوا الصنم الأكبر إن كان ينطق: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ).

وهنا، اهتزت عقولهم وأقروا بعجز أصنامهم عن النطق، ولكن كبرهم أعادهم لانتكاستهم: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ). فوبخهم إبراهيم على عبادة ما لا ينفعهم ولا يضرهم: (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ).

ولما عجزوا عن الحجة والجواب، لجؤوا لبطش القوة، فقرروا إحراقه بالنار نصرة لآلهتهم العاجزة: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ).

وهنا، جاء التدخل الإلهي الخارق بتعطيل نواميس الكون وأمر النار بالتحول إلى برد وسلام: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ). فبطل كيدهم وخسروا معركتهم: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ).

ومن نجاة إبراهيم، ينتقل النظم الحكيم في الآية التالية ليعرض نعم الهجرة والأمان له ولوط عليه السلام نحو الأرض المباركة بالشام: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ). وهناك وهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب وجعلهم أئمة يهدون بأمر التوحيد ويقيمون الصلاة.

ولما ذكر مرافقة لوط لإبراهيم في الهجرة، جاء التناسب المعجز في الآية التالية ليفرد للوط ذكراً خاصاً؛ فآتاه الله حكماً وعلماً وأنجاه من القرية الخبيثة الفاسدة: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ).

ومن نجاة لوط، يرجع بنا سياق الأنبياء إلى نبي الله نوح عليه السلام الذي دعا ربه قديماً فاستجاب الله له ونجاه وأهله من الكرب العظيم والطوفان: (وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ).

ومن نجاة نوح من الغرق، ينتقل النظم الشريف ليعرض لنا نعم الملك والحكم المسخرين لداود وسليمان عليهما السلام؛ ذاكراً قصة حكمهما في الحرث الذي أفسدته الغنم، وكيف فهّم الله سليمان الفتوى الأعدل، وسخر مع داود الجبال والطير تسبح معه: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ… وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ). وعلم داود صناعة الدروع لحمايتهم، وسخر لسليمان الرياح العاصفة والجن يغوصون له ويعملون بأمره.

ولما عرض النعم والملك الشاهق لداود وسليمان، جاء التناسب المعجز بوضع نقيض الملك تماماً؛ وهو الابتلاء بالمرض والفقر وأقصى درجات الضرر البدني، فذكر قصة أيوب عليه السلام وتضرعه الصادق برحمة ربه: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

فجاء الفرج الإلهي سريعاً ليرفع عنه المرض ويعيد له أهله وماله رحمة وذكرى للعابدين ليتعلموا الصبر: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ).

ولأن أيوب ضرب المثل في الصبر، كان من أروع المناسبات أن تلي قصته ذكر من اشتهروا بالصبر العظيم من الأنبياء؛ وهم إسماعيل وإدريس وذو الكفل، فبسبب صبرهم غمرتهم الرحمة الإلهية: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ).

ومن مدرسة الصبر الطويل، يلتفت السياق في الآية التالية ليعرض قصة يونس عليه السلام (ذا النون) الذي ذهب مغاضباً لقومه، وظن أن الله لن يضيق عليه، فابتلعه الحوت فنادى في ظلمات بطن الحوت والبحر والليل بنداء التوحيد والاستغفار الخالد: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).

فاستجاب الله له ونجاه من الغم والضيق، واعداً المؤمنين بذات الخلاص والنجاة إن تضرعوا بصدق: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).

ومن نجاة يونس من وحشة ظلمات بطن الحوت، ينتقل النظم الإلهي الحكيم ليعرض نجاة زكريا عليه السلام من وحشة الوحدة والحرمان من الولد؛ فدعا ربه نداء يفيض رجاء وأدباً: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ).

فجاءت الاستجابة المدهشة بوهبه يحيى بعد إصلاح زوجته العاقر: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ).

ليختم هذا المحفل النبوي العظيم ببيان السر الحقيقي وراء سرعة استجابة دعواتهم؛ فكل هؤلاء الأنبياء كانوا يسارعون في وجوه الخيرات، ويدعون ربهم برغبة في ثوابه ورهبة من عقابه، وكانوا غاية في الخشوع والتذلل لله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).

وقفة للتأمل الأولى:

تأمل الدقة واللطف الإلهي الشديد في صياغة أمر النار في قصة إبراهيم: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ). فلو قال الله سبحانه “كوني برداً” فقط، لربما أهلك البرد والزمهرير إبراهيم من شدته وتجميده، ولكن تقييد البرد بكلمة “وسلاماً” جعل النار تتحول إلى جو لطيف معتدل يفيض سلاماً وأماناً ودفئاً مريحاً لجسد الخليل، وهذا يعلمنا أن تدبير الله ورحمته يحيطان بالعبد الصالح ليجعلا من لب البلاء وأقصى أسباب الهلاك برداً وسلاماً وعافية.

وقفة للتأمل الثانية:

تأمل الدعاء المعجز الذي هز عروش الكرب والضيق والذي دعا به يونس عليه السلام في ظلمات بطن الحوت: (أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). هذا الدعاء اشتمل على ثلاثة أركان هي أسرار الفرج لأي مهموم؛ الركن الأول هو التوحيد (لا إله إلا أنت) وهو مفتاح الأمان، والركن الثاني هو التنزيه والتقديس (سبحانك) وهو تعظيم المعبود، والركن الثالث هو الاعتراف بالضعف والتقصير والذنب (إني كنت من الظالمين) وهو غاية الانكسار والعبودية، فمن جمع هذه الثلاثة في بلائه، كان حرياً بالاستجابة والنجاة.

وقفة للتأمل الثالثة:

تأمل كيف لخص القرآن أسرار البيوت الصالحة المستجابة الدعوة في قصة زكريا: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). فالصلاح الأسري واستجابة الدعوات ورفع العقم والحرمان ليس مجرد أسباب مادية محضة، بل هو ثمرة السعي الجماعي للبيت في أعمال الخير والبر، والمحافظة على مناجاة الله بالخوف والرجاء، والخشوع القلبي المشترك، فمن أراد صلاح بيته وزوجته وأولاده فليجعل من محراب الطاعة والمسارعة في الخيرات أساساً لبنائه الأسري.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل عرضاً لمعجزات التضرع والاستجابة. فقد ترابطت آياته في تناسق معجز؛ فبدأت بذكر كتاب موسى والفرقان لتبين طريق المتقين، ثم استعرضت موكب الأنبياء الكرام عارضة تقلبهم في شتى ألوان الابتلاءات؛ من محنة النار لإبراهيم، والفعل الشنيع لقوم لوط، والكرب العظيم لنوح، وفتنة النعمة والملك لداود وسليمان، ومحنة المرض الشديد لأيوب، ومحنة بطن الحوت ليونس، ومحنة العقم لزكريا. وجاء الرابط الذهبي ليعلن أن سلاحهم المشترك الذي كسر كل هذه السنن والمصائب المادية هو “الدعاء والمسارعة في الخيرات والخشوع لله”، ليثبت لقلب النبي ﷺ وللمؤمنين أن معية الله تكتنفهم وتحميهم إن ساروا على نهج هؤلاء الكرام، ممهداً بذلك للمجلس الأخير الذي يجمع الأمة كلها تحت راية توحيد الأنبياء.


المجلس الرابع والأخير: أمة التوحيد، ونهاية العالم، وتبشير الصالحين (الآيات: 91 - 112)
وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ (91) إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ (93) فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ (94) وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ (95) حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ (96) وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ (97) إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ (98) لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ (99) لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَهُمۡ فِيهَا لَا يَسۡمَعُونَ (100) إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ (101) لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ (102) لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ (103) يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ (104) وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَٰغٗا لِّقَوۡمٍ عَٰبِدِينَ (106) وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ (107) قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ (108) فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ (110) وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ (111) قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (112)

( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا … وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (112) )

لماذا الآن؟

بعد أن استعرض المجلس الثالث كثير من الأنبياء الكرام وتضرعهم لله لنيل الفرج والنجاة من البلاء، يتصل سياق الوحي الحكيم في هذا المجلس الختامي ليتوج موكب الأنبياء بمعجزة مريم وعيسى عليهما السلام، ليعقّب النظم الإلهي مباشرة بتقرير الحقيقة الكبرى التي تجمعهم جميعاً؛ وهي أن هؤلاء الأنبياء وأتباعهم هم أمة واحدة تعبد رباً واحداً. وينتقل بنا بمهابة بالغة ليعرض مشاهد نهاية العالم وانهيار نظام الكون وطغيان يأجوج ومأجوج، مبيناً عاقبة المشركين ومستقبل الاستخلاف الأرضي والنعيم الأخروي للمتقين، ليختم السورة الكريمة بنفي الشريك والولد وتأكيد أن رسالة محمد ﷺ ما هي إلا رحمة مهداة للعالمين أجمعين.

فيبدأ المقطع بالربط المباشر مع معجزة ولادة يحيى لزكريا في أواخر المجلس السابق؛ ليعرض المعجزة الأعظم والأشمل في الخلق؛ وهي معجزة مريم العذراء العفيفة التي نفخ الله فيها من روحه لتلد عيسى عليه السلام، وجعلها وابنها آية كبرى ومبصرة للعالمين: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ).

ولما استعرض سلك الأنبياء الطويل من نوح وإبراهيم وموسى وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا وعيسى، جاءت الآية التالية لتضع الخلاصة الكبرى والجامعة لكل هؤلاء؛ فدينهم وعقيدتهم وأمتهم واحدة، والرب المعبود واحد لا شريك له: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ).

ولكن، في تضاد بشري مؤسف، جاءت الآية التالية لتبين تفرق الناس وتقطعهم لشراذم وأحزاب في الدين، مؤكداً أن مرجعهم وحسابهم لله وحده في النهاية: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ).

ولما ذكر انقسامهم وتفرقهم، جاءت الآية التالية لترسم ميزان العدالة والقبول الفردي في خضم هذا التفرق؛ فمن يعمل الصالحات وهو مؤمن فعمله محفوظ مكتوب لا يُهمل ولا يُجحد أبداً: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ).

ولبيان خطورة تفرقهم وإعراضهم، أوضحت الآية التالية أن الأمم الظالمة المفسدة التي أهلكها الله في الدنيا يستحيل عليها العودة وتدارك ما فاتها: (وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ).

فهم باقون في قبورهم ومستمرون في برزخهم حتى يحين الموعد الكوني الأخير بفتح سد يأجوج ومأجوج وخروجهم سراعاً من كل مرتفع وهضبة كعلامة كبرى للقيامة: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ).

وعند خروجهم، يتصل السياق الحكيم ببيان اقتراب الوعد الحق والقيامة، حيث تشخص وتبهت أبصار الكفار ذعراً وهولاً، ويصرخون معترفين بغفلتهم وظلمهم لأنفسهم، متآخياً هذا الاعتراف مع مطلع السورة (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة): (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ).

ولما اعترفوا بظلمهم بعد فوات الأوان، واجهتهم الآية التالية بالحقيقة المروعة لعاقبتهم وعاقبة آلهتهم المزعومة التي كانوا يرجون نصرها؛ فجميعهم حطب لجهنم ووقود لها: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ).

فلو كانت هذه الأصنام آلهة حقاً لما دخلت النار، ولكن حقيقتها العجز والخلود في عذابها: (لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ).

ولهم فيها أنين وزفير شديد من شدة العذاب والهم، وهم فيها صم لا يسمعون ما يريحهم: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ).

وفي مقابل هذه النهاية البائسة للمشركين، يلتفت سياق الوحي الحكيم في الآية التالية ليعرض النعيم الباهر للمتقين؛ فالذين سبقت لهم العناية والرحمة الإلهية متباعدون تماماً عن نار جهنم وعذابها: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ).

فهم مكرّمون لا يسمعون حتى صوت النار وحسيسها الخفيف، وخالدون في كل ما تشتهيه وتتمناه نفوسهم من النعيم: (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ).

ولا يصيبهم حزن أو خوف من فزع يوم القيامة الأكبر، وتتلقاهم الملائكة بالبشرى والتهنئة: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ).

ولكي يبين النظم الحكيم كيفية زوال هذا الكون القديم ونشأة العالم الجديد، جاءت الآية التالية لتصور طي السماء كطي السجل للكتب، وإعادة الخلق من جديد بيسر وسهولة كما بدأ أول مرة: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ).

ولما كان هذا الكون القديم سيزول وتطوى سماؤه، فمن سيرث الأرض الجديدة المستقرة؟ جاءت الآية التالية لتعلن قضاء الله المسجل في الزبور والتوراة والكتب السابقة بأن الاستخلاف والوراثة الحقيقية للأرض في الدنيا والآخرة هي لعباد الله الصالحين وحدهم: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).

إن في هذا الوحي والقرآن العظيم لبلاغاً كافياً وموعظة بالغة لقوم عابدين مخلصين لربهم: (إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ).

ولأن غاية هذا البلاغ والقرآن هي الرحمة بالبشرية وإنقاذها، جاءت الآية التالية لتتوج شخص النبي ﷺ ورسالته بالرحمة الشاملة للعوالم كلها: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).

وتتجلى هذه الرحمة الإلهية العظمى في حصر الوحي بتقرير حقيقة التوحيد والوحدانية؛ فالتوحيد هو منبع السعادة والسلام، فهل يسلم المعاندون لربهم وينقادون لطاعته؟: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

فإن أعرضوا وتولوا عن هذه الرحمة والتوحيد، فأعلمهم يا محمد بانتهاء مهلة الجدال، وأنك قد أبلغتهم على التساوي ولا علم لك بقرب أو بعد العذاب الموعود، متآخياً هذا مع مطلع السورة (اقترب للناس حسابهم): (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ).

فهو سبحانه يعلم الجهر من قولكم ومكركم، ويعلم ما تكتمون في صدوركم وسيحاسبكم عليه: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).

وما تأخير العذاب عنكم إلا اختبار وتمحيص لكم ومتعة مؤقتة إلى حين لتظهر حقيقتكم: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ).

ليختم هذا التطواف العظيم بكلمات على لسان رسول الله ﷺ تفيض تفويضاً ويقيناً؛ داعياً ربه بالاحتكام بالحق، ومستعيناً بالرحمن جل جلاله على ما يصفه الكفار من كذب وتكذيب: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ).

وقفة للتأمل الأولى:

تأمل غاية السكينة والنعيم الحسي والنفسي الذي يحف الله به عباده المتقين في الجنة: (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ). إن “الحسيس” هو الصوت الخفي الهادئ جداً لحركة النار وغليانها؛ فنفي سماع هذا الصوت الضعيف يبرز كمال الطمأنينة والأمان النفسي لقلوب أهل الجنة، فلا يتأذى بصرهم برؤيتها، ولا تتأذى أسماعهم بأي صوت يذكرهم بالعذاب والهم، ليعيشوا في سلام كامل وهدوء تام يفيض بالجمال والراحة والخلود.

وقفة للتأمل الثانية:

تأمل شمولية وعالمية الرسالة المحمدية المعجزة في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). فالنبي ﷺ لم يكن رحمة للمسلمين وحدهم، بل كان رحمة للعالمين أجمعين؛ فهو رحمة للكافرين بتأخير العذاب والاستئصال عنهم في الدنيا، وهو رحمة للحيوانات بالرفق بها وعدم تعذيبها، وهو رحمة للبيئة والطبيعة بعدم قطع الأشجار أو إفساد الأرض، وهو رحمة للمرأة واليتيم والمستضعفين بإعادتهم لكرامتهم الإنسانية، ليكون دينه ونظمه واحة سلام وبركة تظلل الوجود بأسره.

وقفة للتأمل الثالثة:

تأمل كيف ختمت السورة بمناجاة رسول الله ﷺ ربه الرحمن: (وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ). هذا يعلمنا الدواء النفسي والروحي عند مواجهة سخرية المكذبين أو مصاعب الحياة وتحديات الواقع؛ فالعبد لا يواجه أذى الناس بقوته وعضلاته المادية، بل يلوذ بمحراب الاستعانة باسم الله “الرحمن”، فالرحمة الإلهية الواسعة هي المستعان والسند الوحيد الذي يثبت القلوب ويدفع كيد الخصوم ويحمي العقيدة من التزلزل والضعف.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة ختام العبودية ووحدة الأمة”. فقد ترابطت آياته لتقدم لنا نهاية متسقة؛ فبعد أن رأينا جهاد الأنبياء وتضرعهم، جمع النظم الإلهي كلمتهم تحت راية الأمة الواحدة والعبادة الخالصة لله وحده. ثم حذر السياق من انحراف المتفرقين وتوعدهم بيوم الحشر الرهيب وانهيار نظام السماء وطيها كالسجل، ليعلن أن مستقبل الاستخلاف ووراثة الأرض ممدود ومضمون لعباد الله الصالحين. وجاء مسك الختام ليوضح أن الرسالة المحمدية هي مجمع هذه الرحمات للعالمين، معيداً ختام السورة (وربنا الرحمن المستعان) ليتعانق مع مطلعها (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) ليدفع الغفلة ويبدد الشكوك ويرسي قواعد التوحيد الشامخ.