لو كان الله رحيماً.. فلماذا كل هذا العذاب للأبرياء؟
ربما لم يبدأ سؤالك من رفوف المكتبات، ولا من جدل الفلاسفة؛ بل بدأ في لحظة انكسار حقيقية.
ربما بدأ يوم شاهدت طفلاً يتلوى من المرض، أو رأيت مظلوماً يُسحق بينما الظالم يبتسم، أو ربما يوم فقدت إنساناً كان يعني لك العالم كله ولم تكن مستعداً لوداعه. في تلك اللحظة، لم يكن عقلك يسأل: “هل الله موجود؟”، بل كان قلبك يصرخ بوجع: “إن كان موجوداً ورحيماً.. فلماذا يترك كل هذا يحدث؟”.
نحن هنا لا لنطلب منك أن تبلع غصتك، ولا لنلقي عليك أجوبة معلبة وباردة. نحن هنا لننظر معاً في هذا الجرح بعينين مفتوحتين وروح هادئة.
1. المفارقة الصادمة: غضبك من الألم يكشف عن إيمانك الخفي
توقف معي عند هذا الأمر لحظة: لماذا نغضب أصلاً حين نرى الظلم والألم؟
لو كان هذا الكون مجرد تفاعلات كيميائية صماء جاءت بالصدفة العمياء كما يدعي الإلحاد، لكان الألم والافتراس أمراً طبيعياً جداً؛ تماماً كما يفترس الذئب حملاً وديعاً دون أن يصفه أحد بالشرير أو يطالبه بالاعتذار! في عالم المادة المحضة، لا يوجد شيء اسمه “عدل” أو “ظلم”.. هناك فقط: قوي وضعيف.
لكن الحقيقة أنك لست صخرة، وشعورك الصادق بأن ألم الأبرياء “أمر خاطئ وفوضى يجب أن تنتهي” هو أكبر دليل على أن في صدرك ميزاناً أخلاقياً متعالياً على المادة. هذا العطش الفطري للعدالة المطلقة لم تصنعه ذرات التراب الصماء؛ بل غرسه فيك خالق أراد لك أن تفهم أنك لم تُخلق لعالم ينتهي في التراب!
2. الفرضية الخاطئة: الدنيا ليست منتجعاً سياحياً
إن العقدة الكبرى تبدأ حين نفترض -دون أن نشعر- أن هذه الأرض صُممت لتكون “جنة للراحة والخلود”، فإذا أصابنا المرض أو الفقد صرخنا: “لقد فشلت المنظومة!”.
لكن ماذا لو أننا نقرأ المشهد بالمقلوب؟
ماذا لو أن هذه الحياة لم تُخلق أبداً لتكون دار جزاء، بل دار امتحان ومدرسة عبور سريعة جداً؟في قاعة الامتحانات المدرسية، لا يتدخل المراقب لمنع الأسئلة الشاقة، ولا يوقف دموع الطالب المجهد أثناء الساعات المقررة؛ ليس لأنه قسِيّ القلب، بل لأنه ينتظر لحظة انتهاء الوقت، ليعلن النتيجة، ويمنح كل مجتهد وصابر مكانته المستحقة.
3. الحكاية في الإلحاد مقابل رحمة الله
لنتصارح دون مواربة: ما هو البديل الذي يقدمه الإلحاد لقلبك المتألم؟
في المنظومة الإلحادية: الطفل الذي مات بالسرطان عانى عبثاً، والمستبد الذي عاش في قصوره انتصر ومات بسلام، والكون كله أصم لا يسمع صراخ الضحايا، والنهاية هي العدم التام. ألمٌ بلا عزاء، وظلمٌ بلا قصاص!
أما في ميزان الخالق الرحيم: فلا تسقط دمعة واحدة هباءً. هذه الحياة مجرد صفحة واحدة في كتاب الخلود؛ هناك يوم للحق تُرد فيه المظالم إلى وزن الذرة، وهناك جزاء يعوض الصابر تعويضاً مذهلاً، حتى أخبرنا النبي محمد ﷺ أن المتألم في الدنيا إذا رأى كرامة الصابرين يوم القيامة، يتمنى لو أن جسده قُرّض بالمقاريض في الدنيا مما يرى من عظم الأجر والرحمة!
غمسة واحدة في النعيم الأبدي كفيلة بأن تمحو مرارة سنين من التعب: “هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا يا رب، ما مر بي بؤس قط”.
4. الحكمة التي تغيب عنا
تخيل طفلاً صغيراً في الثالثة من عمره، يرى والده يمسك به بقوة بينما الطبيب يغرس إبرة دواء في جسده. الطفل يصرخ ويبكي وينظر إلى أبيه بعتاب: “لماذا تعذبني وتتركهم يؤلمونني؟”.
الطفل معذور؛ لأن عقله لا يستوعب الفرق بين “وخزة مؤقتة” و”مرض قاتل يهدد حياته”.ونحن أمام علم الله وحكمته المطلقة أشبه بهذا الطفل الصغير. عقولنا ترى الخيط الواحد المنفرد من الألم، والله يرى نسيج الحياة والخلود كله. غياب الحكمة عن إدراكنا البشري القاصر لا يعني أبداً غيابها عن علم الله الرحيم.
إن الألم في الإسلام ليس انتقاماً، بل هو الكير الذي يصهر الحديد ليخرج منه ذهباً خالصاً، وهو النداء الخفي الذي يوقظنا من وهم الغرور المادي لنلتجئ إلى الركن الحقيقي الوحيد: الله.