مدنية | رقم السورة: 5 - عدد آياتها : 120 عدد كلماتها : 2,837
تأتي سورة المائدة بعد سورة النساء التي ركزت على بناء المجتمع المسلم من الداخل. والآن، وبعد أن استقر المجتمع، تأتي هذه السورة لتنظم علاقته بنفسه وعلاقته بالعالم الخارجي على أساس “الوفاء بالعقود”، سواء كانت عقوداً مع الله أم عقوداً مع الناس. إنها سورة إتمام النعمة التشريعية.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ … وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢﴾﴾
فكان من أروع المناسبات أن تفتتح السورة بهذا النداء القوي الذي يمثل عنوانها ومحورها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. وهذا أمر جامع يشمل كل عهد وميثاق، وأولها وأعظمها هو “عقد العبودية” بين العبد وربه. وكأول تطبيق عملي لهذا العقد، انتقل السياق مباشرة إلى بيان “الحلال والحرام” في الأطعمة، لأن التزام المؤمن بأمر ربه في لقمة يضعها في فمه هو الاختبار الأول لصدق وفائه. فبدأ بالقاعدة العامة: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، ثم جاء باستثناءات تابعة لأمر الله وحده.
ولما كان الوفاء بالعقد مع الله يقتضي تعظيم كل ما يتصل به، انتقل السياق من “الوفاء العملي” في الأكل، إلى “الوفاء القلبي والرمزي” في تعظيم شعائر الله التي هي معالم هذا العقد. فجاء النداء الثاني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ…﴾.
وهنا يصل السياق إلى “أصعب اختبار” في الوفاء بالعقد، وهو الوفاء به حتى مع الأعداء. وهنا تأتي النقطة الأكثر إذهالاً في الترابط. فبعد أن ذكر العداوة التاريخية مع المشركين الذين صدوا المسلمين عن المسجد الحرام، وضع القرآن قاعدة أخلاقية لم تعرفها البشرية من قبل: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ… أَنْ تَعْتَدُوا﴾. فالعقد مع الله يلزمك بالعدل حتى مع من تكرهه وتبغضه. ثم وضع المبدأ العام الذي يحكم كل علاقات المؤمن: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة تأسيس المنهج”. بدأت بـ “الأصل الجامع” (الوفاء بالعقود)، ثم ضربت له “أمثلة تطبيقية” متدرجة في الصعوبة: من الوفاء في المأكل (الحلال والحرام)، إلى الوفاء في تعظيم الشعائر، وصولاً إلى ذروة الوفاء وهو العدل مع العدو. إنه بناء هرمي يربي المؤمن على أن الوفاء بالعهد منهج حياة شامل.
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ … لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٦﴾﴾
بعد هذه القواعد العامة في الوفاء، عاد السياق ليفصل في أول بند من بنود العقد وهو الطعام، ففصلت الآية الثالثة “المحرمات” تفصيلاً دقيقاً. وفي قلب هذه الآية، وبينما كان التشريع يصل إلى تمامه، جاء “الإعلان الإلهي المهيب” الذي يمثل تتويجاً لكل العقود والرسالات: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
وقفة للتأمل: إن مجيء هذا الإعلان الكوني المهيب في وسط آية تتحدث عن تفصيل المحرمات من الأطعمة، هو من أبدع صور النظم القرآني. فكانت مسألة الطعام ساحة للجدل والتشكيك في استقلال الدين الجديد. فجاء هذا الإعلان ليقول: “انتهى زمن الجدل، واكتمل التشريع”. فالله الذي أنزل هذه التفصيلات الدقيقة في الطعام، هو نفسه الذي يعلن اليوم أن هذا الدين قد اكتمل، وأنه دين له هوية مستقلة كاملة لا يمكن اختراقها أو إعادتها إلى الجاهلية.
ثم، وبعد أن فصل المحرمات، عاد ليفصل في “الحلال”، إجابة على سؤال المؤمنين، فأحل لهم الطيبات، وصيد الجوارح المعلمة. ثم أضاف حكماً جديداً يمثل انفتاحاً اجتماعياً عظيماً، وهو حل طعام أهل الكتاب والزواج من نسائهم العفيفات.
وبعد أن اكتملت تشريعات العقود المتعلقة بالطعام والزواج، انتقل السياق إلى “الطهارة” التي هي مفتاح العبادة التي تجدد العهد مع الله يومياً. فجاءت آية الوضوء والتيمم. والربط هنا في غاية الجمال والإحكام. فبعد أن أسس لهذه الأنواع من “الطهارة الباطنية” (طهارة المأكل والنسب والعقيدة)، كان من تمام البيان أن ينتقل إلى “الطهارة الظاهرية” وهي الوضوء والغسل. وختمها ببيان الغاية من كل هذا: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة الإتمام والشكر”. بدأت بتفصيل “إتمام” تشريع الطعام، وفي قلبها جاء إعلان “إتمام الدين” كله. ولأن إتمام النعمة يقتضي الشكر، انتقل السياق مباشرة إلى “مفتاح الشكر العملي” وهو الصلاة، ففصل في “شرطها” وهو الطهارة، وختم الآية بأن غاية الطهارة هي إتمام النعمة وتحقيق الشكر.
﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ … وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١١﴾﴾
لماذا الآن؟
لما ذكر إتمام النعمة في الآية السابقة، أمرهم مباشرة بذكرها وتذكر الميثاق والعهد الذي قطعوه على أنفسهم بالسمع والطاعة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
وحين ذكر الميثاق، عاد ليؤكد على أهم ركن من أركانه، وهو القيام بالعدل، فكرر الأمر بصيغة أقوى وأبلغ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾. وأكد مرة أخرى على أن بغض قوم لا يجب أن يمنع من العدل معهم. ثم، وبعد أن أمرهم بكل هذه التكاليف التي هي بنود العقد، جاء الوعد بالجزاء للموفين، والوعيد للناكثين. ثم عاد ليذكرهم بنعمة خاصة من نعمه عليهم، وهي نعمة الحفظ والكفاية، حين أنجاهم من كيد عدوهم، ليكون ذلك دافعاً لهم للوفاء بعهدهم وشكر نعمتهم. ثم ختم بالوصية الجامعة التي هي أساس الوفاء بكل عقد: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة التذكير والتحفيز”. فبعد أن اكتمل التشريع، جاءت هذه الوقفة لتذكر المؤمنين بـ “الميثاق” الذي يربطهم بهذا التشريع، وتأمرهم بأهم بنوده وهو “العدل”، وتحفزهم على الوفاء به بذكر “جزائهم” و”نعم الله” الخاصة عليهم، وتختم بتزويدهم بـ “سلاح الوفاء” وهو “التوكل”.
﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ … فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾﴾
لماذا الآن؟
بعد أن ذكر السياق السابق المؤمنين بميثاقهم مع الله ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، وأمرهم بالوفاء به، انتقل الآن ليقدم لهم نموذجاً تاريخياً مقابلاً، وهو نموذج “نقض الميثاق”، ليكون عبرة وتحذيراً. فكما أن هناك ميثاقاً للمؤمنين، فقد كان هناك ميثاق للأمم قبلهم.
فكان من تمام البيان أن ينتقل مباشرة إلى الحديث عن ميثاق بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ…﴾. فبدأ بذكر بنود هذا الميثاق، والتي نجد أنها هي نفسها أركان الإسلام العملية التي أُمر بها المؤمنون: إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، الإيمان بالرسل ونصرتهم، والإنفاق في سبيل الله. وفي مقابل الوفاء بهذا الميثاق، كان الوعد الإلهي عظيماً: تكفير السيئات ودخول الجنات.
ولكن، ماذا كانت النتيجة؟ جاءت الآية التالية لتكشف عن الخيانة الكبرى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. فكانت اللعنة وقسوة القلب هي العقوبة الأولى. وما هي ثمرات هذه القسوة؟ تحريف الكلم، ونسيان جزء مهم من دينهم، والخيانة المستمرة.
ثم انتقل السياق إلى الطرف الثاني من أهل الكتاب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾. فكان حالهم مشابهاً: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. فماذا كانت عقوبتهم؟ ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. فكانت عقوبتهم هي التفرق والشقاق الداخلي.
ولما ذكر حال الفريقين ونقضهما للميثاق، وجه إليهما نداءً مشتركاً، يدعوهما فيه إلى الميثاق الخاتم، وهو النبي محمد ﷺ والقرآن. ثم عاد ليفضح أصول الانحراف العقدي عند كل فريق، والتي كانت سبباً في نقضهم للميثاق: عند النصارى بدأ بانحرافهم الأكبر، وهو “الغلو” وتأليه المسيح. وعند الفريقين (اليهود والنصارى) انتقل إلى دعواهم المشتركة، وهي “الغرور” والاصطفاء الزائف ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، فرد عليهم بالبرهان العقلي.
وبعد أن فضح انحرافاتهم، كرر النداء عليهم مرة أخرى ليكون أكثر تأكيداً. ثم، ولكي يقدم نموذجاً عملياً تاريخياً على “جبنهم” و”عصيانهم” الذي هو سبب كل بلائهم، انتقل السياق إلى قصة موسى عليه السلام مع قومه، والتي تمثل ذروة نقض الميثاق العملي. فبدأ بتذكير موسى لهم بنعم الله العظيمة عليهم، ثم جاء الأمر الإلهي الواضح الذي هو اختبار لصدقهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. فماذا كان ردهم؟ أظهروا الجبن والخور، ثم جاء ردهم الثاني أشد وقاحة وسوء أدب، وفيه إعلان صريح بالعصيان: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. وعند هذا الموقف، لم يملك موسى إلا أن يلجأ إلى ربه شاكياً. فجاء الحكم الإلهي العادل الذي هو نتيجة طبيعية لهذا العصيان، وهو “التيه” أربعين سنة.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة العبرة التاريخية”. فبعد أن حثت الوقفة السابقة المؤمنين على الوفاء بميثاقهم، تأتي هذه الوقفة لتعرض لهم “نموذجاً مقابلاً” لمن نقضوا ميثاقهم. فتفصل في خيانتهم العقدية والعملية، وتكشف عن أمراضهم (قسوة القلب، الغرور، الجبن)، لتكون هذه القصة التاريخية عبرة وتحذيراً للمؤمنين لئلا يسلكوا نفس الطريق.
﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ … ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿٣٢﴾﴾
لماذا الآن؟
بعد أن عرض السياق السابق قصة بني إسرائيل التي تمثل “ذروة المعصية الجماعية”، حيث رفضت أمة بأكملها أمر نبيها بالجهاد، انتقل الآن ليضرب مثلاً على “أصل المعصية الفردية” وأول جريمة حدثت في تاريخ البشرية، وهي قصة ابني آدم.
وقفة للتأمل: هذا الانتقال من “الجماعة” إلى “الفرد” في غاية الإحكام والجمال. فهو يعود بالبشرية إلى “الجذر الأول” للداء. فكل جرائم بني إسرائيل من قتل للأنبياء وعصيان وجبن، ما هي إلا امتداد لنفس المرض الأول الذي بدأ مع قابيل: “الحسد” و”الكبر” و”اتباع الهوى”.
فجاء الأمر للنبي ﷺ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. فكشفت القصة كيف أن “الحسد” بسبب قبول قربان الأخ وعدم قبول قربانه، هو الذي دفعه إلى أول تهديد بالقتل في التاريخ. وبيّنت منطق المؤمن التقي الذي يرجع الأمر إلى الله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، والذي يمنعه خوفه من الله من مقابلة الشر بالشر. ثم بيّنت كيف أن النفس الأمارة بالسوء زينت له قتل أخيه، ففعلها وأصبح من الخاسرين. ثم صورت عجزه وندمه حين تعلم من الغراب كيفية دفن أخيه.
ولما ذكر أول جريمة قتل فردية، ربطها مباشرة بما كُتب على بني إسرائيل، الذين أصبح القتل ديدناً لهم: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ… فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فبيّن عظم حرمة النفس البشرية في شريعتهم. ولكنهم، رغم هذه التشريعات والبينات، أسرفوا في الأرض فساداً.
سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة البحث عن الجذر”. فبعد عرض “ظواهر” الانحراف في قصة بني إسرائيل، تأتي هذه الوقفة لتغوص إلى “جذر” هذا الانحراف، فتجده في أول جريمة قتل فردية دافعها الحسد والكبر. ثم تعود لتربط هذا الجذر بثماره المرة في تاريخ بني إسرائيل، لتؤكد أن الانحراف الفردي إذا لم يُعالج، فإنه يتحول إلى ظاهرة جماعية مدمرة.
