مكية | رقم السورة: 20 - عدد آياتها : 135 عدد كلماتها : 1,354

بين سورتي مريم وطه تناسب معجز يحكي عظمة الترتيب الإلهي، ويتضح هذا في وجوه عدة:

  1. تفصيل ما أُجمل في مريم: ذكر الله تعالى في سورة مريم قصصاً لعدة أنبياء، ومنهم نبي الله موسى عليه السلام، ولكن قصته جاءت موجزة ومختصرة للغاية في آيتين فقط: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا…). ويتصل سياق الوحي في سورة طه ليفصل تلك الرحلة الإيمانية لموسى غاية التفصيل، ويبسطها بسطاً بليغاً يستوعب البدايات والنهايات ليكون التآخي بين السورتين تاماً.
  2. تآخي المطلع بالحروف المقطعة: بدأت السورتان بالحروف المقطعة؛ مريم بـ (كهيعص)، وطه بـ (طه)، وهما من السور القليلة التي نزلت متتالية تاريخياً ومتآخية في البدء.
  3. طرد الشقاء وتبديده: تكرر لفظ الشقاء في سورة مريم في دعاء زكريا: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا)، وفي لسان عيسى عليه السلام: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا). وجاءت فاتحة سورة طه لتعلن القاعدة الإلهية العظمى في نفي الشقاء عن النبي وعن أتباع القرآن: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، وتؤكد ذات القاعدة في ختام السورة: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى).
📖 الفهرس
→ الجزء السابق سورة طه · الجزء 1 من 1 الجزء التالي ←
المجلس الأول: تفصيل الرسالة ومعجزة الوادي المقدس لموسى عليه السلام (الآيات: 1 - 55)
طه (1) مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ (2) إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ (3) تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى (4) ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ (5) لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ (6) وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى (7) ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ (8) وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ (9) إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى (10) فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ (11) إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى (12) وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ (13) إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ (14) إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ (16) وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ (18) قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ (19) فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ (20) قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ (21) وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ (22) لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى (23) ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ (24) قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي (25) وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي (26) وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي (27) يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي (28) وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي (29) هَٰرُونَ أَخِي (30) ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي (31) وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي (32) كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا (33) وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا (35) قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ (36) وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ (37) إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ (38) أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ (39) إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ (40) وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي (41) ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي (42) ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ (44) قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ (45) قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ (46) فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ (47) إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ (48) قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ (49) قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ (50) قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ (51) قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52) ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ (53) كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ (54) ۞مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ (55)

( طه (1) … مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ (55) )

لماذا الآن؟

بعد أن تقررت حقيقة نفي الشقاء عن حامل القرآن في مستهل السورة، يفتتح هذا المجلس الأول ليعرض للمؤمنين البرهان الحسي على أن هداية الله ورسالته هي مصدر السعادة والنور وليست سبباً للشقاء. وينسج النظم الإلهي الحكيم قصة موسى عليه السلام من بدايتها؛ حين رأى النار في الصحراء الموحشة فناداه ربه في الوادي المقدس ليتلقى التكليف، ويمنحه المعجزات، ويسمع دعاءه الصادق بشرح الصدر وتيسير الأمر، وصولاً إلى لقائه الأول بفرعون الطاغية ومحاورته البليغة لإقامة حجة الخلق والرزق.

فيبدأ المقطع بنداء لطيف وتطمين لقلب النبي ﷺ: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى). فالقرآن طمأنينة وهداية، وهو تنزيل من خالق الأرض والسماوات العلا، الرحمن المستوي على العرش بجماله وجلاله وله مقاليد الكون: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).

ويتصل سياق الوحي الكريم لينقلنا مباشرة إلى لحظة التكليف المهيبة لموسى عليه السلام بأسلوب تشويقي لطيف: (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ). فلما وصل لمصدر النار، فوجئ بالنداء الإلهي العظيم يطالبه بخلع نعليه لقدسية المكان: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى).

وجاء التكليف بتقرير التوحيد والعبودية وإقامة الصلاة: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي). ولأن رسالته تتطلب براهين، علمه ربه كيف تتحول عصاه إلى حية تسعى، وكيف تخرج يده بيضاء من غير سوء ليرى عظيم آيات ربه: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى * وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى).

ولما أيده بالآيات، جاءه التكليف الأصعب بمواجهة رأس الطغيان: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى). وأمام هذا التكليف المهيب، لم يسأل موسى جنوداً ولا سلاحاً مادياً، بل سأل ربه التثبيت المعنوي والدعم النفسي بأدعية خالدة: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي). وسأل ربه أن يؤازره بأخيه هارون ليتعاونا على التسبيح والذكر.

فاستجاب الله له دعاءه كله ومنحه سؤله: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى). ولتطمئن نفس موسى أكثر، ذكره ربه برعايته ولطفه الخفي به منذ صغره؛ حين ألهم أمه أن تلقيه في التابوت ثم في النهر، وكيف التقطه آل فرعون، وحرّم عليه المراضع ليعيده لأمه تقر عينها، وكيف حماه لما قتل القبطي وفتنه فتوناً حتى اصطنعه لنفسه ليكون لائقاً بحمل الرسالة: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي … وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي).

ثم وجه الله موسى وهارون للذهاب معاً برفق ولين لعل هذا الطاغية يرتدع: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى).

وعند اللقاء، سأل فرعون بكبر وغرور مستنكراً: (قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى). فجاءه جواب موسى البليغ الذي يربط الخلق بالهداية: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى). وحين حاول فرعون التهرب من الحجة بالسؤال عن مصير القرون السابقة، رده موسى لعلم الله المحيط: (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى).

ليختم هذا المجلس ببيان نعم الله الكونية العظمى في تمهيد الأرض، وإنزال المطر، وإخراج النبات بألوانه، مرسخاً حقيقة النشأة والبعث بكلمات بليغة تجمع دورة حياة الإنسان على هذه الأرض: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى).

وقفة للتأمل:

تأمل التوجيه الإلهي لموسى وهارون عند لقاء أعتى ظالم على وجه الأرض: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). إن فرعون الذي قال “أنا ربكم الأعلى” يأمر الله أن يواجه بـ “القول اللين”؛ لأن الهدف من الدعوة هو الهداية والإصلاح لا الانتقام والتجريح. هذا التوجيه يعلمنا درساً بليغاً في أدب الدعوة والنصيحة؛ فإذا كان هذا اللين مطلوباً مع فرعون المفسد، فكيف باللين الواجب مع الوالدين، والأبناء، والزوجة، وإخواننا المؤمنين عند نصحهم وتوجيههم!

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة الرعاية والاصطناع الإلهي”. فقد ترابطت آياته لتدحض فكرة الشقاء؛ فبدأت بنفي شقاء حامل القرآن وتأكيد جلال الرحمن، ثم عرضت قصة موسى في الوادي المقدس لتبين كيف يتنزل اللطف والاصطناع الرباني على العبد الصادق ليرعاه ويحميه منذ نعومة أظافره ليكون أهلاً لحمل الرسالة. وجاء لقاء فرعون ودعوته بالقول اللين ليقيم الحجة البالغة بالخلق والهداية والنشأة الأولى، مؤكداً أن السعادة الحقيقية تكمن في طاعة الوهاب، ممهداً بذلك للمقطع التالي الذي يعرض الصدام المباشر مع السحرة وبطش فرعون.

المجلس الثاني: مواجهة السحرة، والنجاة من فرعون، والفتنة بالعجل (الآيات: 56 - 98)
وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ (56) قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ (57) فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى (58) قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى (59) فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ (60) قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ (61) فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ (62) قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ (63) فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ (64) قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ (65) قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ (66) فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ (67) قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ (68) وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ (69) فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ (70) قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ (71) قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ (72) إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ (73) إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ (74) وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ (75) جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ (76) وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ (77) فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ (78) وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ (79) يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ (80) كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ (82) ۞وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ (83) قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ (84) قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي (86) قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ (87) فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا (89) وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي (90) قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ (91) قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي (93) قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي (94) قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي (96) قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا (97) إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا (98)

( وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ (56) … إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) )

لماذا الآن؟

بعد أن أسس المجلس الأول معالم الرسالة وبداية التكليف لموسى وهارون عليهما السلام، ودعوتهما اللينة لفرعون، يتصل سياق الوحي الكريم ليعرض لنا المواجهة المفتوحة والصدام المباشر بين الحق والباطل عند عناد الطاغية. فبعد أن رفض فرعون الآيات البينات مدعياً أنها سحر، دعا إلى موعد عام للمواجهة في يوم الزينة. وينسج النظم الإلهي الحكيم تلك الأحداث المتسارعة؛ بدءاً من معجزة إيمان السحرة المفاجئ وثباتهم الإعجازي أمام التهديد بالصلب، مروراً بمعجزة شق البحر ونجاة بني إسرائيل وهلاك فرعون وجنوده، وصولاً إلى الفتنة الداخلية الصعبة التي تعرض لها المستضعفون بصناعة العجل الذهبي على يد السامري في غياب موسى، ليثبت القرآن أن نصر الله قادم للثابتين على التوحيد رغماً عن كيد العدو الخارجي وانحراف الداخل.

فيبدأ المقطع بذكر رد فعل فرعون الجاحد على الدلائل الباهرة: (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ). وبدلاً من الإذعان، ادعى أن موسى يريد طردهم من أرضهم بسحره، وتحدى بإقامة موعد للمبارزة: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا). فحدد موسى الموعد في وقت الضحى من يوم العيد السنوي ليرى الجميع آيات الله علانية: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى).

وجاء التناسب المعجز في تصوير مشهد المواجهة الكبرى؛ فجمع فرعون مكر سحرته، ووقف السحرة يتحدون موسى، ولكنه وعظهم بكلمات هزت قلوبهم من الداخل: (قَالَ لَهُمْ مُوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ). وأمام ثقتهم، ألقى السحرة حبالهم وعصيهم فخيّل للناس ولأعينهم أنها حبال حية تسعى، حتى شعر موسى بخوف بشري طبيعي: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ).

فجاءه التثبيت والمدد الإلهي الفوري لكسر الخوف وإعلان النصر: (قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ). فلما ألقى موسى عصاه، ابتلعت حبالهم وعصيهم بالكامل، فانكشفت الحقيقة أمام السحرة الذين يعلمون دقائق علمهم، وخروا ساجدين معلنين إيمانهم الصادق دون تردد: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ).

وهنا جن جنون الطاغية، وهددهم بأبشع العقوبات بقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم في جذوع النخل: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ… لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ). ولكن، بفيض من التثبيت الإلهي المعجز، تحول السحرة في لحظة واحدة من طلاب مال وجاه إلى قمم في التوحيد والثبات، وردوا عليه بكلمات تزلزل عروش الظالمين: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).

وبعد هذه المحطة الكبرى لإيمان السحرة، يتصل سياق الوحي الكريم ليعلن لحظة النجاة والخروج من مصر؛ فأمر الله موسى بالمسير ليلاً وشق طريق جاف في البحر دون خوف من فرعون وجيشه: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ). فتبعتهم جنود فرعون، فغمرهم اليم غرقاً وفضح كبرهم وهلاكهم: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ).

ومن بدائع هذا النظم الشريف، أنه بعد نجاة بني إسرائيل من الطغيان الخارجي، يضعنا أمام تحد داخلي خطير يهدد عقيدة المستضعفين؛ وهو فتنة الشرك وصناعة العجل. فعندما ذهب موسى لميقات ربه مستعجلاً اللقاء شوقاً لربه: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ). أخبره ربه بأن قومه قد فُتنوا في غيابه على يد رجل يدعى السامري: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ).

فرجع موسى لقومه غاضباً حزيناً يعاتبهم على نقض العهد السريع: (فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا). فاعتذروا بأنهم حملوا أوزاراً من حلي الذهب التي صهرها السامري وصنع لهم منها عجلاً جسداً يصدر صوتاً كالخوار، مدعياً زوراً أنه إله موسى: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ). ولم تفلح تحذيرات هارون لهم أثناء غياب موسى: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ).

وتوجه موسى بالغضب نحو هارون معاتباً، فطمأنه هارون بأنه لم يقصر ولكنه خشي الفرقة بين بني إسرائيل: (قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).

ثم التفت موسى للسامري مستوضحاً مكر صنيعه: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ). فاعترف السامري بأنه قبض قبضة من أثر فرس الملك جبريل وقذفها في المصهور فصنعت العجل إغواءً من نفسه: (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).

فحكم عليه موسى بالطرد والنبذ الاجتماعي الأبدي: (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ). وقام بحرق العجل الذهبي ونسفه نسفاً في البحر ليزيل أثر الوهم والشرك: (وَانْظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا).

ليختم هذا المجلس المثير بإعلان حقيقة التوحيد العظمى التي لا يعتريها شك ولا زوال: (إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).

وقفة للتأمل:

تأمل التحول الإعجازي المفاجئ في نفوس السحرة؛ فقبل لحظات كانوا يسألون فرعون عن الأجر والجاه: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ)، وما إن لامس الإيمان قلوبهم ورأوا الحق حتى استهانوا بقطع أيديهم والصلب على جذوع النخل قائلين: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا). هذا يعلمنا أن حقيقة الإيمان متى استقرت في القلب، صغرت في عين المؤمن كل قوى الأرض وطواغيتها، وتحولت الدنيا الفانية بزينتها وتهديداتها إلى ممر عابر لا قيمة له أمام نيل رضا الرحمن والخلود في جنانه.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة النصر وثمن الثبات”. فقد ترابطت آياته لتبين لنا أن الصراع مع الباطل يحتاج لثبات اليقين؛ فرأينا كيف سقطت هيبة السحر والملوك أمام معجزة إيمان السحرة وتثبيت الله لموسى، وكيف عاقب الله فرعون بالغرق الحسي في البحر عقاباً على كبره وطغيانه. ثم نبهنا السياق المعجز إلى أن أعداء العقيدة قد يدسون السموم والفتن من الداخل كما فعل السامري مستغلاً غياب القائد، ليرشدنا النظم الحكيم إلى أن العلاج الحاسم لإنهاء فتن الداخل والخارج هو نسف الأوهام والشرك والالتفاف المطلق حول راية التوحيد الخالص لله وحده، ممهداً بذلك للمقطع الأخير الذي يعرض مشاهد القيامة والجزاء العادل.

المجلس الثالث والأخير: مشاهد القيامة، وعقوبة الإعراض، وقصة آدم وتبديد الشقاء (الآيات: 99 - 135)
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا (99) مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا (100) خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا (101) يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا (102) يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا (103) نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا (104) وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا (105) فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا (106) لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا (107) يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا (108) يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا (109) يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا (110) ۞وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا (111) وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا (112) وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا (113) فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا (114) وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا (115) وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ (116) فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ (118) وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ (119) فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ (120) فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ (121) ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ (122) قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ (123) وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ (126) وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ (127) أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ (128) وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى (129) فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ (131) وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ (132) وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ (133) وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ (134) قُلۡ كُلّٞ مُّتَرَبِّصٞ فَتَرَبَّصُواْۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ أَصۡحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ (135)

( كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ … فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ (135) )

لماذا الآن؟

بعد أن طاف بنا المجلس الثاني في تفاصيل النصر المادي الخارجي على فرعون وسحرته، وكيف عولجت فتنة الداخل وصناعة العجل، يتصل سياق الوحي الكريم ليصل بنا إلى مسك الختام لهذه السورة العظيمة. فيبين لنا النظم الإلهي الحكيم أن قصص التاريخ ومصارع الأمم إنما هي تذكرة وذكرى حية لنا. وينتقل بنا بمهابة بالغة ليعرض مشاهد القيامة والجزاء، مبيناً عاقبة من يُعرض عن هذا الذكر والقرآن، ليرجع بنا بعد ذلك إلى قصة المعركة الأولى للبشرية؛ قصة آدم عليه السلام وإبليس، ليربط بداية شقاء الإنسان على الأرض بمخالفة أمر ربه، ويضع الدواء النهائي والحاسم لدفع الشقاء عن الأفراد والأسر؛ وهو اتباع الهدى، ولزوم طاعة الصلاة والصبر عليها.

فيبدأ المقطع ببيان الغاية الكبرى من سرد هذه القصص والأنباء: (كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا). فهذا القرآن ذكرى وحصانة، ومن يُعرض عنه فسيحمل يوم القيامة وزراً ثقيلاً وخالداً في العذاب: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا).

وينقلنا النظم الحكيم بمهابة إلى مشهد النفخ في الصور، وحشر المجرمين زرقاً من شدة الهول والخوف: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا). ويسأل الناس عن مصير الجبال الراسيات في ذلك اليوم، فيجيب القرآن بأن ربي سينسفها نسفاً ويحول الأرض قاعاً مستوياً لا عوج فيه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا).

وفي تلك الوقفة المهيبة، يتبع الناس الداعي لا عوج له، وتخشع الأصوات للرحمن هيبة وإجلالاً: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا). وحينها تظهر العدالة الربانية الشاملة فلا يخاف مؤمن عادل ظلماً ولا نقصاً من أجره: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا).

ولأن الهداية رحمة، نزل القرآن بلسان عربي مبين وصُرفت فيه النذر لعل القلوب تتقي وتصحو: (وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

وجاء التناسب المعجز بين أول السورة وآخرها؛ فلكي يفهم الإنسان كيف بدأ الشقاء والابتلاء على هذه الأرض، يرجع بنا النظم القرآني الحكيم إلى العهد الأول لآدم عليه السلام: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). فبعد أن سجدت الملائكة وعصى إبليس، حذر الله آدم من هذا العدو لئلا يخرجه من الجنة فيقع في الشقاء والتعب: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى).

ولكن وسوسة الشيطان غرت آدم بوعود الخلد والملك الزائف فأكلا من الشجرة وبدت لهما سوآتهما وهبطا إلى الأرض: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ).

وهنا يضع الله تعالى القانون الكوني الذهبي الذي يربط ختام السورة بمطلعها في نفي الشقاء؛ فمن يتبع هدى الله وقرآنه فإنه آمن من الضلال ومن عذاب شقاء الدنيا والآخرة: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى).

وفي المقابل، فإن عاقبة الإعراض عن هذا الهدى هي معيشة الضيق والهم والنكد في الدنيا، والعمى في الآخرة: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). فيتساءل المعرض متحسراً كيف حُشر أعمى وقد كان مبصراً في الدنيا، فيأتيه الرد العادل بأنك نسيت آيات الله في الدنيا فكذلك تُنسى اليوم وتترك في العذاب.

ولما تقرر هذا المصير العادل، يوجه الله نبيه والمؤمنين إلى الدواء العملي واليومي للنجاة من ضنك المعيشة؛ وهو لزوم الصلاة وأمر الأهل بها والصبر العظيم على أدائها: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى).

ليختم هذا المجلس الشريف بتطمين قلب النبي ﷺ وإفحام المشركين الذين يطلبون آيات مادية معاندة، معلناً وعيداً صامتاً ينتظر الجميع ليروا من هو صاحب الطريق السوي والمهتدي بحق: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى).

وقفة للتأمل:

تأمل الرابط العميق والدقيق الذي وضعه الله بين الصلاة وبين الرزق في قوله: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ). إن انشغال الإنسان بالسعي خلف الرزق وتأمين لقمة العيش قد يجعله يفرط في صلاته أو يؤخرها، فجاء هذا التوجيه الرباني ليعكس الموازين تماماً؛ فالصلاة ليست مانعاً من الرزق، بل هي جلابة له ومفتاح للبركة والسعة والراحة النفسية والبركة في البيوت، ومن أقام صلاته وصبر عليها، تكفل الله برزقه وحفظه من ضنك العيش وهمومه.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة تبديد الشقاء وإعلان دستور البيوت الآمنة”. فقد ترابطت آياته لتقدم لنا نهاية متسقة وعميقة مع السورة بأكملها؛ فبعد أن رأينا صراع موسى التاريخي مع الفتن، جاء هذا الجزء ليربط ذلك بمشهد القيامة ويهدد المعرضين بالمعيشة الضنكة والعمى. ثم عاد السياق بنا إلى قصة آدم ليعلمنا أن شقاء البشرية الأول بدأ بمخالفة العهد والانسياق خلف وسوسة الشيطان، وأن البوابة الوحيدة لتبديد هذا الشقاء والعيش بسعادة ونور هي اتباع هدي الله وقرآنه. وجاء مسك الختام ليرشد الأسر إلى صمام الأمان الفعلي وهو إقامة الصلاة والصبر عليها، متآخياً بدء السورة (طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) مع ختامها المليء بالسكينة والهدى.