مدنية | رقم السورة: 8 - عدد آياتها : 75 عدد كلماتها : 1,243

بين ختام سورة الكهف وفاتحة سورة مريم ترابط معنوي ونفسي عميق، يتضح في وجوه تبرز تناسق البناء القرآني:

  1.  اشتملت سورة الكهف على أعاجيب كونية عدة؛ مثل نوم الفتية لثلاث مئة عام، وخوارق رحلة موسى مع الخضر، وعظمة سد ذي القرنين. ثم تأتي سورة مريم لترتقي بالعجب إلى مستوى أشد إعجازاً يتصل بأصل نشأة الإنسان ونسب النبوة؛ فتقدم ولادة يحيى عليه السلام من أبوين شيخين، وولادة عيسى عليه السلام من أم عذراء بلا أب. فكأن السياق يقول: إن كنت عجبتم من عجائب الكهف، فتعالوا لتروا ما هو أعجب في طلاقة القدرة الإلهية.
  2. خُتمت سورة الكهف بذكر رحمة الله الواسعة وعلمه الذي لا ينفد في قوله: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي…)، وافتتحت سورة مريم بذكر هذه الرحمة مفاضة على عباده المقربين: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا). وسورة مريم هي أكثر سورة تكرر فيها اسم الله “الرحمن” في القرآن الكريم (ست عشرة مرة)، لتكون بمثابة بستان الرحمة الإلهية الواسعة.
  3. ترتبط السورة بالسبب نفسه لأسئلة المشركين بتوجيه من اليهود؛ فبعد أن أجابت الكهف عن فتية الكهف وذي القرنين، جاءت مريم لتفصل في قضية عيسى ويحيى عليهما السلام التي كان يجادل فيها أهل الكتاب لإظهار الحق الخالص.
📖 الفهرس
→ الجزء السابق سورة مريم · الجزء 1 من 1 الجزء التالي ←
المجلس الأول: رحمة الإعجاز وولادة يحيى وعيسى عليهما السلام (الآيات: 1 - 40)
كٓهيعٓصٓ (1) ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ (2) إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا (4) وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا (6) يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا (8) قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا (9) قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا (10) فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا (11) يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا (12) وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا (13) وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا (14) وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا (15) وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا (16) فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا (17) قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا (18) قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا (19) قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا (20) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا (21) ۞فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا (22) فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا (23) فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا (24) وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا (25) فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا (26) فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا (27) يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا (28) فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا (29) قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا (31) وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا (32) وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا (33) ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ (36) فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ (37) أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَاۖ لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ (38) وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ (39) إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ (40)

( كهيعص (1) … إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) )

لماذا الآن؟

بعد أن استقرت القلوب في نهاية سورة الكهف على أن التوحيد الخالص والعمل الصالح هما النجاة، يبدأ هذا المجلس الأول من سورة مريم ليعلن للناس أن سنن الكون المادية ليست حاكمة على مشيئة الله الخالق. فيعرض السياق قصتين معجزتين تتدفق منهما الرحمة الربانية؛ الأولى قصة نبي الله زكريا وولادة يحيى من زوجة عاقر، والثانية قصة الصديقة مريم وولادة عيسى بلا أب، وذلك لإثبات كمال القدرة الإلهية والرد القاطع على الشكوك التي تثار حول طبيعة عيسى بن مريم عليه السلام.

فيبدأ المقطع بالحروف المقطعة المهيبة: (كهيعص)، لينتقل بعدها مباشرة لذكر رحمة الله التي غمرت عبده ونبيه زكريا عليه السلام: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا). فقد نادى ربه نداء خفياً يناسب انكسار قلبه وضعف جسده: (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا). ورغم كبر سنه وعقم زوجته، إلا أنه لم ييأس من فضل ربه، وسأله ولداً يحمل أمانة الدعوة ويرث نبوة آل يعقوب: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا).

وجاءت الاستجابة الإلهية الفورية مدهشة ومبشرة بالولد وسماه ربه “يحيى”: (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا). وأمام هذه المفاجأة السعيدة، تساءل زكريا مستفهماً عن كيفية حدوث ذلك مع وجود الموانع الطبيعية (العقم والشيخوخة): (قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا). فجاءه الجواب الإلهي الحاسم بأن خلق الأشياء من العدم هين على الله: (قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا).

ولما تمت المعجزة وبُشر بالولد، نشأ يحيى عليه السلام نشأة صالحة، فآتاه الله الحكمة والكتاب صبياً، وجعله باراً بوالديه تقياً هادياً: (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا).

ولما عرض السياق معجزة الولادة من أبوين شيخين عاقرين، انتقل النظم الشريف ليعرض المعجزة الأعظم والأكثر خروجاً عن المألوف؛ وهي ولادة عيسى من أم بلا أب: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا). فقد اعتزلت الناس للعبادة، فأرسل الله إليها الملك جبريل متمثلاً في صورة بشر سوياً: (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا).

ولأنها طاهرة عفيفة، استعاذت بالله منه: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا). فطمأنها الملك بأنه مرسل من ربها ليهبها غلاماً طاهراً نقياً: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا). فتعجبت كيف تلد ولم يمسسها رجل ولم تكن بغياً: (قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا). فجاءها نفس الرد الإلهي الذي قيل لزكريا: (قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا).

وحملت مريم بعيسى، واعتزلت الناس حياءً وخوفاً من كلامهم حتى جاءها المخاض والولادة عند جذع النخلة، فتمنت الموت من شدة الموقف وهيبته: (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا). فناداها طفلها من تحتها يطمئنها ويأمرها بهز جذع النخلة لتتساقط الرطب، لتأكل وتشرب وتقر عينها: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا). وأمرها بالصمت التام وعدم محاورة الناس إن سألوها.

ولما رجعت لقومها تحمل طفلها، واجهت سيلاً من التهم واللوم والتشكيك في طهارتها وعفتها: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا). فما كان منها إلا أن أشارت إلى طفلها الرضيع ليحاورهم: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا).

وهنا نطق الرضيع عيسى عليه السلام معلناً عبوديته الخالصة لله وبراءته من دعاوى الألوهية، ومثبتاً رسالته وأخلاقه الشريفة ليكون صوته قاطعاً للشكوك: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).

وبعد أن عرضت الآيات هاتين القصتين المعجزتين، تقرر الحقيقة الفاصلة والقول الحق في شأن عيسى بن مريم بعيداً عن غلو النصارى وجفاء اليهود: (ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ). فالله أعظم وأجل من أن يتخذ ولداً: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). لينتهي المقطع بالتحذير من هول يوم القيامة والحسرة التي ستصيب المعاندين عندما يرث الله الأرض ومن عليها وإليه يرجعون: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).

وقفة للتأمل:

تأمل كيف استجاب الله لنداء زكريا الخفي: (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا). إن الدعاء الخفي يمثل غاية الأدب والصدق مع الله والإخلاص له؛ فالعبد الذي يدعو بصوت منخفض يناجي ربه بقلبه منكسراً متيقناً بأن الله قريب سميع بصير لا يحتاج لرفع الصوت. هذا يعلمنا أن عمق الإجابة لا يرتبط بارتفاع الصوت أو كثرة الضجيج، بل بصدق الانكسار الداخلي للمؤمن وتوجهه الصافي للواحد الديان.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “منصة الرحمة وإعجاز الخلق”. فقد ترابطت آياته لتقدم لنا استهلالاً مبهراً يربط طلاقة القدرة الإلهية بفيض الرحمة؛ حيث عرضت قصة زكريا وزوجته لتبين أن العقم والشيخوخة لا تقف أمام مشيئة الوهاب، ثم ارتقت المعجزة بقصة مريم وولادتها لعيسى بلا أب لتثبت أن الأسباب المادية مخلوقة لله ولا تتحكم في تدبيره. وجاء نطق عيسى في المهد ليعلن عبوديته الخالصة ويهدم فكرة التجسد والولد، مؤكداً أن حقيقة الخلق قائمة على طاعة الواحد الأحد، ممهداً بذلك للمقطع التالي الذي يعرض تضحيات خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في سبيل إرساء هذه الوحدانية.

المجلس الثاني: دعوة خليل الرحمن وهداية الآباء والأبناء (الآيات: 41 - 65)
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا (41) إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا (42) يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا (43) يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا (44) يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا (46) قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا (47) وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا (48) فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا (49) وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا (50) وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا (51) وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا (52) وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا (53) وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا (54) وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا (55) وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا (56) وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ (58) ۞فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا (60) جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا (61) لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا (62) تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا (64) رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا (65)

( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) … رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) )

لماذا الآن؟

بعد أن قرر المجلس الأول طلاقة القدرة الإلهية في خوارق ولادة يحيى وعيسى عليهما السلام وإرساء حقيقة التوحيد، يتصل سياق الوحي الكريم ليعرض لنا السلسلة التاريخية لجهاد الأنبياء في الدعوة إلى هذا التوحيد. ويبدأ النظم الشريف بأبي الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، ليرسم لنا القدوة في الصبر والأدب الرفيع عند محاورة الآباء والوقوف بوجه الشرك، متبعاً إياه بنماذج من الأنبياء الكرام ليؤكد أن نهج الرسالة والعبودية واحد مستمر عبر الأجيال.

ومن التناسب المعجز في البناء اللفظي للسورة، أن الله تعالى افتتح قصة مريم بعبارة (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ)، ثم افتتح قصة الخليل بالعبارة ذاتها: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا). فكلا القوتين تظهران غاية الصدق والعفة.

ويرسم لنا الوحي مشهداً تفيض منه معاني الأدب والشفقة في دعوة إبراهيم لأبيه آزر؛ حيث يكرر نداء الأبوة الحاني (يا أبتِ) أربع مرات متتالية، مفنداً عقيدة الشرك بأسلوب منطقي هادئ: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا). ويحذره بلطف من اتباع الشيطان وغضب الرحمن: (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا).

ولكن، في مقابل هذا الأدب النبوي الرفيع، جاء رد الأب قادماً بقسوة شديدة وتهديد بالرجم والاتصال بالهجر: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا). فما كان من إبراهيم إلا أن قابل غلظة والده بسماحة الأنبياء المعهودة: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا).

وينسج النظم الإلهي الحكيم ثمرة هذا الصبر؛ فعندما فارق إبراهيم والده وقومه فراراً بتوحيده، عوّضه الله بعائلة نبوية عظيمة وبشرى بالولد والنهضة: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا).

ومن روائع هذا النظم الشريف، أنه يستمر في حشد معالم سلالة الأنبياء وأخبارهم؛ فينتقل إلى قصة موسى عليه السلام بذكر معية ربه له وتكليمه عند جبل الطور: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)، ومنحه أخاه هارون كعون ورحمة.

ثم يذكر إسماعيل عليه السلام ويصفه بصدق الوعد والاهتمام بالصلاة وأهله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ). ويتبع ذلك بإدريس عليه السلام ومقامه الشاهق: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا).

ثم يجمع السياق هذه النخبة الطاهرة من ذرية آدم ونوح وإبراهيم وإسرائيل في مشهد واحد يصور خشوعهم وأثر كلام الله في قلوبهم: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ… إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا).

ولكن، في تضاد محذر ومؤثر، يعرض الوحي صورة جيل الخلف الذي جاء بعدهم فقطع حبال الطاعة وضيع الصلاة وانساق خلف الشهوات: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا). مستثنياً من هذا العقاب التائبين والمؤمنين الذين ينتظرهم نعيم جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب.

ولما كان النبي ﷺ يشتاق للوحي وتأخر نزول الملك جبريل عليه أحياناً، اتصل السياق الحكيم ببيان أن تصريف الأمور والوحي كله بأمر الله ولا نسيان في تدبيره: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا).

ليختم هذا المجلس العظيم بإعلان القاعدة الكونية الحاكمة لكل هذا الوجود؛ فالمالك والمدبر لكل هذه السماوات والأرض هو الله وحده، والأمر الموجه للبشر هو الصبر الدائم على عبادته: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا).

وقفة للتأمل:

تأمل كيف امتدح الله نبيه إسماعيل بصفة أسرية هامة: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ). هذا يعلمنا درساً بليغاً في فقه الدعوة؛ فمسؤولية المؤمن الإيمانية تبدأ أولاً من دائرته الأقرب وعائلته الصغيرة داخل البيت قبل أن تتسع للمجتمع الخارجي. وصلاح البيوت يكمن في الاهتمام المشترك بركائز الطاعة وإحياء شعائر العبادة لتكون واحة أمان ترعى القيم والأخلاق.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة الحشد النبوي وترابط الرسالة”. فقد ترابطت آياته لتقدم لنا تسلسلاً تاريخياً يبدأ بأدب إبراهيم في الدعوة وتضحيته ببيئته وقراباته في سبيل الحق، وصولاً إلى استحضار مواقف الأنبياء الكرام كموسى وإسماعيل وإدريس لبيان أن طريق الهدى واحد ممتد. ثم حذر السياق من انحراف الأجيال اللاحقة بتضييع الصلاة واتباع الشهوات، ليكون الختام حاسماً بتوجيه القلوب لعبادة رب السماوات والأرض والصبر الجميل على طاعته، ممهداً بذلك الطريق لمناقشة شبهات منكري البعث في المقطع الأخير.


المجلس الثالث والأخير: جدال المعاندين، ومصير المتقين، ودحض فرية الولد (الآيات: 66 - 98)
وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا (66) أَوَ لَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا (68) ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا (69) ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا (70) وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا (71) ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا (72) وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا (73) وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا (74) قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا (75) وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا (76) أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا (78) كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا (79) وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا (80) وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا (81) كَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا (82) أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا (83) فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا (84) يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا (85) وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا (86) لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا (87) وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا (88) لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا (89) تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا (90) أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا (91) وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا (93) لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا (94) وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا (95) إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا (97) وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا (98)

( وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) … هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) )

لماذا الآن؟

بعد أن استمعنا في المجلس الأول إلى طلاقة القدرة الإلهية في بدء الخلق والولادات الإعجازية الخارقة، وعرض لنا المجلس الثاني جهاد الأنبياء لتبليغ التوحيد، يأتي هذا المجلس الختامي ليناقش الشبهات الفكرية والإنكارية التي يطرحها المعاندون رداً على هذا الهدى. فيفند النظم الإلهي الحكيم إنكارهم للبعث والحساب، ويفضح اغترارهم بمجالسهم وأموالهم الفانية، ليصل إلى قمة الجلال والهيبة في دحض أشنع دعوى افتراها البشر؛ وهي نسبة الولد لرب العالمين، ليختم السورة بلمسة تثبيت رقيقة لقلب النبي ﷺ وبوعيد صامت يهز القلوب.

فيبدأ المقطع بطرح شبهة إنكار البعث التي يرددها الإنسان المعاند: (وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا). وجاء الرد الإلهي الحاسم بتذكيره بأصله الأول ليرى عجز شبهته أمام منطق العقل؛ فالإيجاد من العدم الكامل أشد وأبلغ من إعادة البناء: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا).

ثم يعرض النظم الشريف مشهد الحشر الرهيب للمستكبرين مع شياطينهم حول جهنم جثياً على ركبهم: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا). مبيناً عاقبة المستكبرين الذين ظنوا أن كثرة أتباعهم ومجالسهم الفاخرة تدل على أفضليتهم ومحبة الله لهم: (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَنْدَىٰ نَدِيًّا).

ويرد الوحي على ميزانهم المادي المختل بتذكيرهم بمصير الأمم السابقة التي ملكت أثاثاً ومظاهر تزيد عنهم بكثير، فما أغنى عنهم ملكهم شيئاً لما جاء أمر الله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرُئْيًا).

وفي مقابل هذه التجمعات والمجالس البشرية القائمة على المصلحة والكبر، ينسج النظم الإلهي الحكيم ميزاناً حقيقياً للمحبة والقبول؛ فالأثر الإيماني الصادق هو الذي يورث المحبة الحقيقية والود والقبول في قلوب العباد بتوفيق من الرحمن: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا).

ومن بدائع التناسب المعجز في البناء العام للسورة، أن يتصل هذا الفيض من أسماء “الرحمن” ليصل إلى دحض أشنع افتراء قاله البشر في تاريخ العقيدة؛ وهو قولهم باتخاذ الولد: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا). فجاء التعبير الإلهي غاضباً مروعاً يصور اهتزاز أركان الكون غيرة على التوحيد الخالص: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا).

فالتوحيد هو أساس ثبات هذا الكون واستقراره، ونسبة الولد لرب العالمين طعن في كماله وغناه المطلق عن الشبيه والند: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا). فجميع أهل السماوات والأرض هم عبيد خاضعون لربوبيته، قد أحصى أنفاسهم وعدهم عداً، وسيأتي كل فرد منهم يوم القيامة وحيداً بلا حليف أو نصير: (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).

ولما انتهت هذه المحاكمة العقدية الكبرى لفرية الولد والشرك، التفت السياق الحكيم ممتناً على نبيه الكريم بتيسير هذا القرآن العظيم ليكون بشيراً للمتقين ونذيراً للمعاندين: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا).

لتختم السورة الكريمة بواحد من أروع وأهيب فواصل الآيات؛ بتذكير البشر بمصير الطغاة المكذبين عبر الزمان، وكيف طواهم الموت فلم يبق لهم أثر ولا صوت يذكر: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا).

وقفة للتأمل:

تأمل التعبير الكوني المهيب عند سماع فرية الولد: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا). هذا يعلمنا درساً عظيماً في فقه العلاقة مع الله؛ فالجمادات الصامتة كالسماء والأرض والجبال تضطرب وتهتز غضباً وغيرية عندما يُنسب لله ما لا يليق بجلاله، فكيف بقلوب البشر الواعية العاقلة التي يجب أن تكون أكثر حمية وحباً وتعظيماً لجلال ربها وتفرده بالكمال المطلق!

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة الحسم وإعلان الهيبة والتوحيد”. فقد ترابطت آياته لتقدم لنا ختاماً باهراً للسورة؛ فبدأت بمحاكمة عقلية تفند عجز منكري البعث وتذكرهم بأصل خلقهم، ثم واجهت غرور الكفار بمجالسهم الفانية بمصير الأمم السابقة، ووضعت ميزان الحب الحقيقي القائم على الإيمان (الود الإلهي). وتوج المقطع بدحض فرية الولد بأسلوب زلزل أركان الكون، معيداً الجميع لمرتبة العبودية الخاضعة للرحمن. وجاء الختام بتهديد مهيب يصور زوال الجبابرة وصمتهم المطبق تحت التراب، ليتصل بدء السورة الذي تنزل بالرحمة لزكريا بختامها الذي قضى بالهيبة والوحدانية المطلقة لله.