مكية | رقم السورة: 17 - عدد آياتها : 111 عدد كلماتها : 1,559

بعد أن طافت بنا سورة النحل في ملكوت النعم الظاهرة والباطنة، وأقامت الحجة البالغة على وجوب التوحيد ونبذ الاستكبار، خُتمت بأمر النبي ﷺ بالصبر الجميل في مواجهة مكر المعاندين وضيق الصدر بجدالهم: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.
وهنا يأتي الالتحام المعجز بين ختام النحل ومطلع الإسراء؛ فكأن سورة النحل وضعت القاعدة العامة: “إن الله مع المتقين المحسنين”، وجاءت فاتحة سورة الإسراء لتقدم البرهان العملي الأعظم على هذه المعية الإلهية. فبعد المحن المتتالية وعام الحزن، جاءت رحلة الإسراء تسليةً لقلب النبي ﷺ، ورفعةً لمقامه، وتنفيساً لضيق صدره؛ لتقول له: “إن كاد بك أهل الأرض، فإن رب السموات قد أسرى بك لتشهد عظيم آياته”.
كما أن سورة النحل افتتحت بالنهي عن استعجال العذاب والقدرة على الساعة ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، واختتمت بالأمر بالتأني والصبر، فجاءت الإسراء مفتتحة بمعجزة خارقة للزمن والمألوف ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ لتبرهن للمستعجلين أن من طوى الزمان والمكان لنبيه في ليلة، قادر على إتيان وعده في لمح البصر أو هو أقرب.
وأخيراً، ختمت النحل بالثناء على إبراهيم عليه السلام كعبدٍ ﴿شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ﴾، وافتتحت الإسراء بوصف النبي بـ ﴿عَبْدِهِ﴾، ثم ذكرت عقب ذلك ذرية نوح عليه السلام ووصفته بأنه ﴿كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾، ليتصل سلك العبودية والشكر بين الأنبياء الكرام في السورتين.

📖 الفهرس
→ الجزء السابق سورة الإسراء · الجزء 1 من 1 الجزء التالي ←
المجلس الأول: آية الإسراء وسنن الاستخلاف في الأرض (الآيات: 1 - 8)
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ (1) وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا (2) ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا (3) وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا (4) فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا (5) ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا (6) إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا (7) عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا (8)

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا … وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴿٨﴾﴾

لماذا الآن؟
بعد أن انتهت سورة النحل بأمر النبي ﷺ بالصبر الجميل في مواجهة مكر المعاندين وضيق الصدر بجدالهم، واختتمت بالوعد الإلهي والمعية الخاصة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، يأتي مطلع سورة الإسراء الآن ليقدم البرهان العملي الأعظم والمشهد التطبيقي الأكبر لهذه المعية الإلهية. فكأن السورة تقول: “يا محمد، إن كاد بك أهل الأرض وضاق صدرك بمكرهم، فإن رب السماوات والأرض معك، وقد أسرى بك لتشهد ملكوته وتتكشف لك آياته العظمى”. كما أنها ترد بلمح البصر على مستعجلي العذاب في السور السابقة، بحدث خارق للزمن طوى المسافات في ليلة واحدة.

فيبدأ هذا المقطع بافتتاحية مهيبة تضج بالتنزيه والتقديس المطلق: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾. واختيار كلمة “سبحان” جاء ليهيئ النفوس لتلقي حدث خارج عن نواميس الطبيعة وقوانين البشر، فلا يُقاس بالقدرة الإنسانية بل بالقدرة الإلهية المطلقة. ثم جاء وصف الرسول ﷺ بلقب ﴿بِعَبْدِهِ﴾ في هذا مقام الكوني المهيب كأعلى وسام تشريف، ليعلن أن العبودية الخالصة لله هي بوابة الرفعة والارتقاء.

ولما بيَّن سبحانه آية الإسراء بنبيه إلى المسجد الأقصى، الذي هو مهد رسالات بني إسرائيل وموطن أنبيائهم، كان من أروع المناسبات أن يربط ذلك مباشرة ببعثة موسى وإيتائه التوراة في تلك البقعة المباركة نفسها: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. فكأن هذا الانتقال السريع يعلن للكون أن قيادة البشرية والولاية على هذا البيت المقدس قد انطوت صفحتها القديمة، لتنتقل رسمياً إلى النبي الخاتم وأمته الشاهدة.

ولكي يربط هذا الميراث الجديد بسلسلة العبودية والشكر عبر الزمان، التفت السياق بأسلوب يملؤه التذكير والتحبيب: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. فنوح عليه السلام هو الأب الثاني للبشرية الذي نجا بدعوته، ومن واجب ذريته أن يتشبهوا بعبوديته وشكره، لا بجحود النعمة وإفساد الأرض.

ولما كان شأن بني إسرائيل قد انحرف لاحقاً عن نهج الشكر والعبودية التي سار عليها نوح وموسى، انتقل السياق ببيان ما قُدّر عليهم في طيات الغيب والواقع نتيجة هذا الانحراف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. إنها سنة التدافع التاريخي، فالعلو والاستكبار عاقبته السقوط والزوال.

فيعرض السياق مشهد الإفساد الأول وعقوبته المستحقة: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾. فلما ذاقوا مرارة النكال وتضرعوا، منحهم الله فرصة ثانية للاستدراك والنهوض لعلهم يشكرون: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾.

وهنا يقف القرآن ليقرر حقيقة تربوية وأخلاقية صارمة تحكم حركة التاريخ والبشرية قاطبة: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾. فلا محاباة في سنن الله، والجزاء من جنس العمل.

ولما لم ترتدع النفوس الشاردة واستمرت في طغيانها، حانت ساعة الحسم وعقوبة الإفساد الثاني: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. وهنا تتجلى الإشارة البديعة المحققة إلى أحداث نهاية الزمان؛ حيث يرتبط “وعد الآخرة” بالعلو الكبير والأخير لبني إسرائيل واجتماعهم في الأرض المقدسة، ليكون زوال هذا العلو وتطهير المسجد الأقصى ودخوله مجدداً قضاءً حتمياً يجري على يد عباد الله المؤمنين، تأكيداً على أن الولاية على هذه البقعة المباركة مرهونة دائماً بتحقيق العبودية الحقة.

وقفة للتأمل:
ما أشد دقة التعبير القرآني وما يحمله من تحذير مهيب حين يختتم هذا المشهد التاريخي والمستقبلي بقوله: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾! إنها ليست مجرد حكاية أمة خلت، بل قانون إلهي مستمر وجارٍ على كل الأمم: “وإن عدتم عُدنا”. العودة إلى الإفساد تجلب العودة إلى العقاب والنكال، والعودة إلى الطاعة تجلب الرحمة والتمكين. وفي هذا تعريض ومحاكمة عقلية بليغة لكفار مكة المستكبرين بأن عاقبتهم ستكون كعاقبة من سلف إن أصروا على جحودهم، وفي الوقت ذاته تنبيه وتحذير لأمة النبي الخاتم لكي تحافظ على شروط استخلافها وأمانة مقدساتها.

سر الترابط:
هذا المقطع يمثل “وقفة الربط بين المعجزة الفردية والسنن الكونية”. فقد ربط السياق بين رحلة الإسراء الخاصة بالنبي ﷺ، وبين تسلسل الرسالات ومصير ومستقبل الأمة التي اؤتمنت على المسجد الأقصى قبل المسلمين (بني إسرائيل). وتطوف بنا الآيات في عرض خاطف ومذهل لسنن قيام الدول وسقوطها صعوداً وهبوطاً، لتصل بنا إلى نبوءة نهاية الزمان وتحرير المقدسات، لتؤكد لجميع الأطراف أن الولاية على الأرض والمقدسات ثمنها تحقيق العبودية لله، ممهدةً الطريق للمقطع التالي الذي يعرض خصائص المنهج الإلهي المهيمن الذي يقود البشرية للاستخلاف الراشد.


المجلس الثاني: منهج القرآن وموازين السلوك البشري الفردي والجماعي 9-40
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا (9) وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا (10) وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا (11) وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا (12) وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا (13) ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا (14) مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا (15) وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا (16) وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا (17) مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا (18) وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا (19) كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا (20) ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا (21) لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا (22) ۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا (23) وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا (24) رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا (25) وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا (26) إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا (27) وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا (28) وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا (30) وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا (31) وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا (32) وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا (33) وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا (34) وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا (35) وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا (36) وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا (37) كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا (38) ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا (39) أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا (40)

﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴿٩﴾ … أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗ﴿٤٠﴾﴾

لماذا الآن؟
بعد أن كشف المجلس الأول عن سنن الله المطردة في صعود الأمم وهبوطها، وضرب بني إسرائيل مثلاً تاريخياً ومستقبلياً لزوال الاستخلاف بسبب طغيانهم وإفسادهم، يتطلع القارئ بطبيعة الحال إلى معرفة: ما هو “المنهج والبرنامج العملي” الذي يعصم الأمم من الانزلاق في مستنقع الإفساد؟ وكيف يمكن للمجتمع الجديد أن يحافظ على ريادته واستخلافه؟
يأتي هذا المجلس ليجيب مباشرة عبر تقديم “دستور الاستخلاف الراشد”، وهو القرآن الكريم ومنظومته الأخلاقية والاجتماعية التي تمثل صمام الأمان الحقيقي لحماية الأفراد والمجتمعات من الزوال.

فيبدأ المقطع بإعلان الهيمنة المطلقة لهذا الدستور الإلهي: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ في كل مسارات الحياة والوجود. ولما كان هذا الكتاب هادياً للأقوم والأصلح، فإن الطبيعة البشرية المتروكة بلا توجيه تتسم بالعجلة والاندفاع: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾. فبسبب هذه العجلة، قد يسعى الإنسان لحتفه وهلاكه بيده، فكان من الضرورة والرحمة الإلهية أن يتنزل القرآن ليضبط هذه العجلة البشرية بموازين الهداية الراشدة.

ولكي يربط الخالق سبحانه هذه الهداية بسنن الكون الكبرى، انتقل السياق ببراعة ملفتة إلى آيتي الليل والنهار: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾. فكما أن الله جعل الليل والنهار يتعاقبان لنبصر مصالحنا المادية ونعلم عدد السنين والحساب، فكذلك أرسل الوحي والقرآن كالنور الهادي ليبصر الناس مصالحهم المعنوية والروحية، وينير عقولهم في ليل الجاهلية المظلم.

ولما كان هذا النور الإلهي قد أشرق على البشرية، فإن كل إنسان يصبح مسؤولاً ومحاسباً على اختياره بين النور والظلمة: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، فالإنسان رهين عمله، والجزاء فردي وعادل: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.

ثم يقرر القرآن العدالة الإلهية المطلقة في المحاسبة وإرسال الرسل: ﴿مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ومن تمام هذه العدالة وسننها، أن تدمير المجتمعات لا يحدث عبثاً، بل تسبقه النذر، وتفشي الفساد المالي والأخلاقي لدى طبقة المترفين الذين يتمردون على هدي الرسل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.

ولما حذر من مصير المترفين المفسدين، قسَّم البشر حيال هذا المنهج إلى فئتين لا ثالث لهما: فئة غايتها اللذة المادية العاجلة ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾، وفئة سمت همتها نحو الغاية الأخروية الباقية وسعت لها سعيها الحقيقي بوعي وإيمان ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.

وبعد أن أرسى هذه القواعد والتقسيمات الكبرى، انتقل السياق إلى تفصيل “منهج الحكمة الإلهي” وعرض تلك الوصايا العشر الذهبية التي تبدأ بتوحيد الخالق وتنتهي به، كطوق نجاة للأفراد والأمم:

فالوصية الأولى والأساس الصلب هي التوحيد ونبذ الشرك: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾. فلما قرر حق الخالق الأعظم، ثنّى مباشرة بأعظم الحقوق الإنسانية وألصقها بالفطرة، وهو بر الوالدين: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فرسم مشهداً يفيض بالرحمة والبر عند كبرهما: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.

ثم يتسع إشعاع الرحمة من نطاق الأسرة الضيق إلى المجتمع الأوسع: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. ولما كان هذا البذل الاجتماعي يتطلب حماية المال من التبديد والسفه، جاء النهي حاسماً عن التبذير: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.

ثم يضع القرآن دستوراً في التوازن والاعتدال المالي والنفسي: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، فالاقتصاد قوام الحياة، والرزق بيد اللطيف الخبير: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾.

ومن حماية الأموال، ينتقل السياق بقداسة بالغة لحماية الأرواح والأعراض والأنساب:

  • فيحرم قتل الأولاد خشية الفقر: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾.

  • ويحرم مجرد الاقتراب من الزنا لحماية طهارة المجتمع: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.

  • ويحرم قتل النفس بغير حق صيانةً للحياة: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.

  • ويحرم أكل مال اليتيم والاعتداء على حقوق المستضعفين: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

  • ويأمر بالوفاء بالعهود والعقود: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.

  • ويأمر بالعدالة والأمانة الاقتصادية في المكاييل والموازين: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.

ولما حمى المجتمع مادياً واجتماعياً، انتقل لحمايته فكرياً وعقلياً من الإشاعات والظنون والأكاذيب: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ليتوج هذه المنظومة بالنهي عن الكبر والخيلاء، داعياً إلى التواضع والأدب: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.

ولما انتهى من سرد هذا الدستور الرفيع، ختم ببيان قيمته ومصدره الإلهي: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾، مؤكداً في ختام الوصايا على المبدأ الذي بدأت به؛ وهو التوحيد الخالص: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.

وهنا، بعد أن أرست الآيات موازين الحكمة والعدالة الربانية، يوجه القرآن ضربة حجاجية قاضية تفضح التناقض الأخلاقي والمنطقي لكفار مكة الذين كفروا بهذا المنهج: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾. فكيف ينسبون لله البنات اللواتي يكرهونهن لأنفسهم، ويبخلون عليه بالبنين؟ إنه منطق مهترئ يكشف زيف عقولهم وتهافت عقائدهم أمام بهاء وعظمة المنهج القرآني الشامخ.

وقفة للتأمل:
ما أبدع التناسق التربوي في هذا الدستور الأخلاقي! فالقرآن لم ينهَ عن “الزنا” و”أكل مال اليتيم” بعبارة (لا تفعلوا)، بل قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾؛ سداً لكل الذرائع والطرق الموصلة إلى الجريمة. وفي المقابل، نجد الميزان الدقيق في التعامل مع وسائل المعرفة الإنسانية ﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾؛ حيث جعلها القرآن مسؤولة أمام الله، مما يبني ضميراً علمياً وأخلاقياً يقظاً يرفض الشائعات ويبني قناعاته على اليقين والبرهان، وهو أساس النهوض الحضاري لأي أمة تريد البقاء والاستخلاف.

سر الترابط:
هذا المقطع يمثل “منظومة الوقاية والتشييد الأخلاقي”. فبعد أن بيَّن الله في المجلس الأول مصير الأمم السابقة التي هلكت بإفسادها، جاء في هذا المجلس ليضع الأسوار المانعة من السقوط والهلاك. لقد تدرجت الآيات بعبقرية من إعلان هيمنة القرآن وصلاحيته المطلقة، مروراً بتقرير المسؤولية الفردية والعدالة الإلهية، وصولاً إلى بناء شبكة متكاملة من القيم الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. ثم انتهت بمحاكمة العقل المشرك المتناقض، لترسم للمسلمين معالم الطريق الواضح والبديل الأرقى عما عليه أهل الجاهلية من فوضى أخلاقية وعقدية.


المجلس الثالث: محاكمة الشرك وجدل البعث وعقدة الكبر الأولى : 41-72
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا (41) قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا (42) سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا (43) تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا (44) وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا (45) وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا (46) نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا (47) ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا (48) وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا (49) ۞قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا (50) أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا (51) يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا (52) وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا (53) رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا (54) وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا (55) قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا (56) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا (57) وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا (58) وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا (59) وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا (60) وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا (61) قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا (62) قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا (63) وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا (65) رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا (66) وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا (68) أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا (69) ۞وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا (70) يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا (71) وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا (72)

﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا … وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلَّ سَبِيلًا ﴿٧٢﴾﴾

لماذا الآن؟
بعد أن عرض لنا المجلس السابق جمال دستور القرآن وحكمته العالية التي تبني الفرد والمجتمع، يتبادر للذهن سؤال محير: إذا كان هذا القرآن بهذا البهاء والكمال، فلماذا يعرض عنه المشركون ويحاربونه؟
يأتي هذا المجلس ليجيب عن هذا السؤال، فيكشف لنا الحجب النفسية التي تمنعهم من قبول الحق، ويحاكم حججهم الواهية في الإشراك بالله وإنكار البعث، عائداً بهم إلى جذور المشكلة الأولى وهي “كبر إبليس”، ومذكراً إياهم بنعم الله عليهم وتكريمه للإنسان لعلهم يرجعون.

فيبدأ المقطع ببيان أن القرآن لم يترك باباً للإقناع إلا وطرقه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. وبدلاً من أن يستمعوا، يفرون نفوراً. ولما بيَّن إعراضهم، انتقل ليفند أوهامهم في إشراك آلهة أخرى مع الله ببرهان عقلي بسيط: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾؛ فلو كانت هناك آلهة أخرى لصارعت للوصول إلى العرش ومنازعة الملك، فملكوت الكون هادئ مستقر يسير بقانون واحد مما يثبت وحدانية مدبره: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.

ولما كان المشركون يرفضون التسبيح لله والاعتراف بوحدانيته، يلتفت السياق ليرينا أن الكون كله من حولهم طائع مسبح: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فالمشركون هم النشاز الوحيد في هذا الكون الساجد المسبح!

ولكن لماذا لا يتأثرون بالقرآن ولا بالكون من حولهم؟
يكشف القرآن هنا عن عقوبة ربانية أصابت قلوبهم بسبب إصرارهم على إنكار الآخرة: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾، فهم يعيشون في عزلة حقيقية وحاجز معنوي يمنع قلوبهم وآذانهم من تذوق كلام الله.

ولأن عقولهم مغلقة، فقد سخروا من قضية البعث بعد الموت قائلين: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾؟ فيرد عليهم القرآن بردود قاطعة: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾، فمهما تباعدت أجسادكم عن الحياة وصرتم جماداً صلباً، فإن الذي بدأ خلقكم أول مرة قادر على إعادتكم بيسر وسهولة.

ولما كان هذا الحوار مليئاً بالجدال الحاد، وجّه الله المؤمنين ألا ينجروا إلى معارك كلامية عقيمة يذكيها الشيطان، بل أمرهم باللين والكلمة الطيبة: ﴿وَقُلْ لِعبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.

وهنا يأتي انتقال بديع يكشف عن الجذور العميقة لهذا الكبر والعناد البشري؛ فيرجع بنا القرآن إلى المشهد الأول في تاريخ البشرية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾؟ فمن يرفض السجود لله والاعتراف بالحق اليوم، إنما يسير على خطى إبليس الذي توعد بإغواء ذرية آدم: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

ولكي يوقظ الله هذه القلوب من غفلتها وغرورها، يذكرها بضعفها الشديد أمام أبسط مظاهر الطبيعة، كركوب البحر: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ﴾، فإذا اشتدت العواصف وتلاطمت الأمواج ينسى الإنسان كبره ويستغيث بالله وحده: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾. ولكن ما إن ينجيهم الله إلى البر حتى يعودوا لجحودهم: ﴿أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، متناسين أن قدرة الله تحيط بهم في البر والبحر على حد سواء.

ثم يختم السياق هذا التطواف بلمسة تكريم ولمسة وعيد؛ فيذكر الإنسان بمكانته العالية التي وهبها الله له: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾. فكيف بعد هذا الإكرام كله يتنازل الإنسان عن رتبته الشريفة ليعبد حجرًا أو يتبع شيطانًا؟ إن موعد الحساب قادم لا محالة: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، وحينها: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلَّ سَبِيلًا﴾.

وقفة للتأمل:
تأمل كيف ربط الله بين “الكلمة الطيبة” وبين “نزغ الشيطان”: ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. إن كلمة واحدة خشنة أو غير مدروسة في الحوار قد تفتح باباً واسعاً للشيطان ليفسد ذات البين ويوغر الصدور، لذلك جعل الإسلام الكلام الحسن سلاحاً وقائياً يحمي تماسك المجتمع والأسرة قبل أن تبدأ الخصومات.

سر الترابط:
هذا المقطع يمثل “معركة كسر العناد”. فالسياق هنا يواجه العقل المستكبر بأدلة واضحة؛ فمن جهة يثبت أن الكون كله يسير بنظام الوحدانية والتسبيح، ومن جهة أخرى يفضح سبب كفرهم بأنه مجرد امتداد لعقدة الكبر الإبليسية القديمة. ثم يضع الإنسان أمام مرآة ضعفه وعجزه في البحر ليريه فطرته الحقيقية التي تدعو الله وحده عند الشدائد، لينهي هذا التطواف بتذكير بني آدم بتكريم الله العظيم لهم، لعل هذا الشرف يدفعهم للعبودية والاعتراف بالجميل بدلاً من العمى والجحود.


المجلس الرابع: معركة التثبيت، والمدد الروحي، وإعجاز الوحي 73-89
وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا (73) وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا (74) إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا (75) وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا (76) سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا (77) أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا (78) وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا (79) وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا (80) وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا (82) وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا (83) قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا (84) وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا (85) وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا (87) قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا (88) وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا (89)

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ … فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴿٨٩﴾﴾

لماذا الآن؟
بعد أن كشف لنا المجلس السابق عن مكر المشركين وعنادهم المستمر منذ عهد إبليس، يتساءل القارئ: كيف واجه النبي ﷺ هذا الضغط الهائل؟ وكيف حماه الله من مكرهم وخططهم لزعزعة ثباته أو طرده من مكة؟
يأتي هذا المجلس ليكشف لنا حجم المؤامرات التي حيكت ضد الرسول ﷺ، مبيناً لنا “المدد الروحي” ووصفة الثبات التي منحها الله لنبيه ليواجه بها كيدهم، ومؤكداً على قيمة هذا الوحي العظيم الذي عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله.

فيبدأ المقطع بالكشف عن محاولات المشركين المستمرة لتقديم تنازلات في الدعوة أو تحريف الرسالة لترضيهم: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾. ولكن حماية الله وتثبيته للرسول كانت هي الحصن المنيع: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.

ولما عجزوا عن مساومته على دينه، انتقلوا إلى الحيلة الأخرى وهي محاولة التضييق عليه وطرده من موطنه مكة: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾. وهنا يقرر القرآن قانوناً تاريخياً صارماً؛ وهو أن أي بلدة تطرد نبيها، يحل عليها غضب الله وتزول سريعاً: ﴿وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا﴾.

ولما كان النبي ﷺ يواجه هذا الاستفزاز والتضييق، كان لا بد له من “شاحن روحي” ومصدر طاقة يثبت قلبه، فوصف الله له الوصفة الإلهية الكبرى؛ وهي الصلاة والوقوف بين يدي الله في جوف الليل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، ثم أمره بالتهجد ليلاً ليرزقه الرفعة والمقام الشريف: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.

وبما أن الخروج من مكة والهجرة باتت قريبة بسبب كيدهم، علّم الله نبيه هذا الدعاء العظيم الذي يحمل معاني الصدق والتوكل والتأييد في كل بداية ونهاية: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾. وبشر بانتصار دينه وزوال الباطل: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.

ولما ذكر هذا الحق المنتصر، بيّن أن أداته وسلاحه الأعظم هو القرآن الكريم، الذي ينزل بلسماً وشفاءً للقلوب الحائرة ورحمة للمؤمنين: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾.

وفي مقابل هذا الشفاء والرحمة، يعرض القرآن طبيعة النفس البشرية الجاحدة حين تبتعد عن هداية الله، فإذا عاشت في النعم أعرضت وتكبرت، وإذا مسها الضر يئست وقنطت: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾.

ولأنهم يعيشون في هذا التيه والعمى عن تذوق حقيقة الوحي والقرآن، التفتوا إلى إلقاء الأسئلة التعجيزية على النبي ﷺ، فسألوه عن حقيقة الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾. فجاءهم الرد الإلهي الحاسم بأن الروح غيب لا يعلمه إلا الله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

ولكي يظهر الله لهم فضل هذا الوحي الذي يحاربونه ويستهينون به، بيَّن لنبيه وللبشرية جمعاء أنه لو شاء لذهب بهذا القرآن وصدرك فارغ منه، ولن تجد أحداً يعيده إليك: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَّنَ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾. فبقاؤه بين أيديكم هو محض رحمة من الله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾.

ثم يتوج هذا المجلس بالتحدي الأكبر والبرهان المعجز الذي يقطع دابر جحودهم وتشكيكهم في القرآن: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. ورغم هذا البيان الواضح، والتنويع في إقامة الحجج: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾، إلا أن كبرهم جعلهم يصرون على عنادهم: ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.

وقفة للتأمل:
تأمل كيف جاء التوجيه الرباني بإقامة الصلاة وقيام الليل ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ… وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ مباشرة بعد ذكر كيد المشركين ومحاولاتهم طرد النبي ﷺ. هذا يعلمنا درساً بليغاً: أن مواجهة الضغوط الحياتية والمعارك النفسية والعملية لا تكون بالانفعال والتوتر، بل باللجوء إلى المحراب، والوقوف في سكون الليل بين يدي الله، فمن هناك يُستمد التثبيت والمدد والسكينة للنصر.

سر الترابط:
هذا المقطع يمثل “وقفة الحماية والمدد”. فقد ترابطت الآيات لتكشف لنا تدرج المكر البشري؛ من محاولة مساومة النبي على دينه، إلى محاولة نفيه وطرده. ثم جاءت الاستجابة الربانية بفتح أبواب المدد الروحي من خلال الصلاة والتهجّد والدعاء المخلص، ليمهد لانتصار الحق وزهوق الباطل. وخلال هذه المعركة، يبرز القرآن كشفاء ورحمة، ويتحدى الثقلين (الإنس والجن) أن يأتوا بمثله، ليوضح للمشركين أن حربهم ليست مع شخص النبي ﷺ، بل هي حرب خاسرة مع كلام رب العالمين.

المجلس الخامس والأخير: تعنت المعاندين، ومصير فرعون، وختام التحميد (الآيات: 90 - 111)
وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا (90) أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا (91) أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا (93) وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا (94) قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا (95) قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا (96) وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا (97) ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا (98) ۞أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا (99) قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا (100) وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا (101) قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا (102) فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا (103) وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا (104) وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا (105) وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا (106) قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ (107) وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا (108) وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ (109) قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا (110) وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا (111)

﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿٩٠﴾ … وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا … وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴿١١١﴾﴾

لماذا الآن؟
بعد أن أعلن المجلس الرابع التحدي الخالد بالقرآن الكريم وأن الإنس والجن لا يستطيعون الإتيان بمثله، يهرب المشركون من هذا التحدي البياني والعقلي إلى الاقتراحات التعجيزية والمطالب المادية البحتة! يأتي هذا المجلس الأخير ليرد على هذه المطالب المعاندة، ويربط موقفهم بموقف فرعون قديماً حين كذّب بآيات موسى التسع، لينهي السورة ببيان أثر القرآن الحقيقي في قلوب أهل العلم، وختامها بتحميد الله وتكبيره ليقترن ختام السورة ببدئها.

فيبدأ المقطع بسرد المطالب المتعنتة التي اشترطها المشركون للإيمان: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ… * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ… * أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ * أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ﴾.

أمام هذه الشروط والمطالب، يعلّم الله نبيه كيف يلتزم بالتواضع البشري وإسناد المعجزات لصاحب القدرة وحده: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾. فأنبياء الله ليسوا ساحرين يللبون الرغبات، بل هم بشر يبلغون رسالة ربهم.

ثم يكشف القرآن السبب الحقيقي الذي جعلهم يقترحون هذه المطالب؛ وهو استبعادهم أن يرسل الله بشراً: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾. فيرد عليهم بالمنطق الفطري: لو كان من يسكن الأرض ملائكة لأرسل الله إليهم ملكاً، لكن الساكنين بشر، فمن الحكمة أن يكون الرسول من جنسهم: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾.

ولكي يبين لهم أن مشكلتهم ليست في قلّة الدلائل، بل في شح نفوسهم وضيق صدورهم عن الحق، يضرب لهم هذا المثل المذهل: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾. فالنفوس التي تبخل بالمال لو ملكت خزائن الأرض، تبخل بالاعتراف بالحق لو أحيطت بآلاف المعجزات.

ولكي يرى كفار مكة صورتهم في مرآة التاريخ، ينقلهم السياق فوراً إلى القصة التي تكررت الإشارة إليها في السورة، قصة موسى وفرعون: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. فماذا كان موقف فرعون منها؟ تماماً كموقف كفار مكة؛ أصر على جحوده وقال لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾. بل وحاول طرد موسى وقومه واستئصالهم: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، تماماً كما حاول المشركون استفزاز النبي طرداً من مكة (كما ورد في المجلس الرابع). فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾.

وبعد أن عرض السورة لمصير المستكبرين، يعود في الختام ليؤكد على الحق الأكبر في هذه السورة وهو “القرآن”: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾، مبيناً أنه نزل متفرقاً مفرقاً على الأحداث ليرسخ في القلوب: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.

ثم يوجه الخطاب للمشركين المعاندين: سواء آمنتم بالقرآن أم كفرتم، فإن الحق غني عنكم! وهناك من يعرف قدره حقاً: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.

وتكتمل السورة ببيان التوحيد وإبطال افتراءاتهم حول أسماء الله وصفاته: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾.

ثم تأتي الخاتمة العظيمة التي تجمع جلال السورة كلها، وتختمها بالحمد كما بدأت بالتنزيه والتسبيح: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.

وقفة للتأمل:
تأمل كيف صور القرآن أثر آياته على قلوب الراسخين في العلم: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. لم تكن استجابتهم مجرد اقتناع عقلي بارد، بل كانت استجابة وجدانية يمتزج فيها السجود بالدموع والخشوع. هذا يوضح لنا أن العلم الحقيقي بالقرآن هو الذي يورث الرقة والخشوع والدمع في محراب الطاعة، لا مجرد التقعر في الجدال والخصومات.

سر الترابط:
هذا المقطع يمثل “وقفة الحسم والختام”. فقد تربطت أطرافه مع أول السورة ومحاورها؛ فبعد أن أصر المشركون على اقتراح آيات مادية تعنتاً، ذكرهم القرآن بأن المعجزات التسع لم تمنع فرعون من الهلاك لما أصر على كبره. ثم أعاد الأضواء إلى المعجزة الحقيقية الخالدة وهي “القرآن”، مبيناً كيف ينفعل بها أصحاب العقول السليمة سجوداً وبكاءً. وتكتمل لوحة السورة البديعة بدقة؛ فقد افتتحت بالتنزيه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ﴾ لتبطل الشرك في أولها، واختتمت بالتحميد والتكبير ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ… وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ لتبطل الشرك وتثبت الوحدانية المطلقة لله في ختامها.