مكية | رقم السورة: 18 - عدد آياتها : 110 عدد كلماتها : 1,583

بين ختام سورة الإسراء وفاتحة سورة الكهف يتبدى لنا التحام بديع وتناسق معجز يثبت أن هذا القرآن نزل من لدن حكيم خبير؛ ويتضح هذا الترابط في عدة وجوه مشرقة:

  1. الاستجابة الفورية للأمر: خُتمت سورة الإسراء بأمر إلهي بالتحميد: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، لتأتي فاتحة سورة الكهف مباشرة مطبقة ومستجيبة لهذا الأمر في أول آية منها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾.
  2. التسبيح والتحميد: افتتحت سورة الإسراء بالتسبيح ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ﴾، بينما افتتحت الكهف بالتحميد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وفي ميزان العبودية والذكر، يسبق التسبيح (الذي هو تنزيه الله عن كل نقص) التحميد (الذي هو إثبات كل صفات الكمال والجمال له سبحانه).
  3. مقام العبودية والرسالة: في مطلع الإسراء تشريف للنبي ﷺ بوصف العبودية حال عروجه بالجسد والروح ﴿أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾، وفي مطلع الكهف تشريف له بالعبودية أيضاً حال نزول الروح والوحي بالقرآن عليه ﴿أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾.
  4. أجوبة أسئلة المشركين: عندما حرّض يهودُ المدينة مشركي مكة ليسألوا النبي ﷺ عن ثلاث مسائل لا يعلمها إلا نبي (الروح، والفتية أصحاب الكهف، وذو القرنين)، جاء الجواب عن مسألة الروح في سورة الإسراء، وتكفلت سورة الكهف بالإجابة عن المسألتين المتبقيتين (أصحاب الكهف، وذو القرنين) ليتكامل البيان المبرهن لصدقه ﷺ.
📖 الفهرس
→ الجزء السابق سورة الكهف · الجزء 1 من 1 الجزء التالي ←
المجلس الأول: مقدمة السورة وقصة فتية الإيمان (الآيات: 1 - 26)
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ (1) قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا (2) مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا (3) وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا (4) مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا (5) فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا (7) وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا (8) أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا (9) إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا (10) فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا (11) ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا (12) نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى (13) وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا (14) هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا (15) وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا (16) ۞وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا (17) وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا (18) وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا (19) إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا (20) وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا (21) سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا (22) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا (23) إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا (24) وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا (25) قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا (26)

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ … وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾﴾

لماذا الآن؟ بعد أن خُتمت سورة الإسراء بتأكيد كبرياء الله ووحدانيته وأمرت بالحمد، يبدأ هذا المجلس بتطبيق هذا الحمد، ليعلن أن هذا القرآن هو المنهج المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وأنه الدرع الواقي للبشرية من الفتن والمضللات. ويبدأ مباشرة بعرض الفتنة الأولى والأخطر وهي “فتنة الدين والعقيدة”، مستعرضاً قصة فتية الكهف كقدوة عملية في الثبات والفرار بالدين من بطش المستكبرين.

فيبدأ المقطع بالحمد والثناء العطر على النعمة العظمى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا﴾. فهذا الكتاب مستقيم في ذاته، مقيم لغيره من المناهج. وجاء إنزاله لغاية واضحة: تبشير المؤمنين بالثواب العظيم، وإنذار الكافرين وخاصة الذين نسبوا لله الولد: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾.

ولما بيَّن عِظَم هذا الكتاب وأهمية إنقاذه للبشرية، التفت السياق ليواسي قلب النبيﷺ الذي كان يكاد يهلك حزناً على إعراض قومه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.

ثم يضع القرآن القاعدة الحاكمة لجميع فتن السورة؛ وهي أن كل ما في هذه الأرض هو مجرد زينة مؤقتة للاختبار والتمحيص، وسيزول سريعاً ليصبح تراباً جافاً: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾. ومن هذه القاعدة العامة للاختبار، ينتقل السياق مباشرة إلى النموذج العملي الأول في الصراع بين الحق والباطل، قصة أصحاب الكهف: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾؟ فقصتهم عجيبة، لكن ملكوت الله أعجب وأعظم.

وتبدأ أحداث القصة بلجوء الفتية إلى الغار الضيق فراراً بدينهم، رافعين أكف الضراعة: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. فاستجاب الله لدعائهم، وضرب على آذانهم بالنوم العميق ليحفظهم من بطش قومهم لسنوات طويلة: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾.

ولما كان هؤلاء الفتية قد تحدوا طغيان قومهم معلنين توحيدهم: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقد تكفل الله برعايتهم في نومهم الطويل بعناية فائقة تفوق الخيال؛ فسخر لهم الشمس لتتجنب كشفهم: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، وكان يقلب أجسادهم يمنة ويسرة لئلا تأكلها الأرض: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾، وجعل على مظهرهم مهابة تمنع من يقترب منهم: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾.

وبعد مرور مئات السنين، أيقظهم الله ليتساءلوا بينهم عن مدة نومهم: ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾. ثم أرسلوا أحدهم بالمال الفضي ليشتري طعاماً طيباً بحذر شديد لئلا ينكشف أمرهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا﴾.

ولكن الله قدّر أن يكتشف أهل المدينة أمرهم بعد أن تغير الزمان وآمن الناس، ليكون خروجهم دليلاً حسياً قاطعاً على حتمية البعث والآخرة: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾.

ولما شاع خبرهم وماتوا، اختلف الناس في تفاصيلهم وعدد سلكهم، فنبه القرآن إلى أن التفاصيل الجانبية والجدال حول الأرقام لا يفيد، بل العبرة والدرس هما الأهم:

﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ… قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾. وبيَّن مده لبثهم على وجه اليقين: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، ليختم القصة ببيان إحاطة الله بكل غيب وسيطرته المطلقة على شؤون خلقه: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.

 

وقفة للتأمل: تأمل عظمة التوجيه القرآني عند لجوء الفتية للغار الضيق؛ فهم لم يطلبوا من الله النصر أو هلاك العدو، بل كان همهم الأول طلب الهداية والصواب:

﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. هذا يعلمنا أن أعظم نعمة يطلبها المؤمن في أوقات الفتن والاضطراب هي “الرشد”؛ فإذا رزقك الله الرشد والتبصر، تحول الغار الموحش الضيق إلى واحة واسعة تفيض برحمة الله وأمنه.

 

سر الترابط: هذا المقطع يمثل “إعلان الدستور وعلاج فتنة الدين”. فبعد أن ترابط ختام الإسراء بالحمد في مطلع الكهف، قررت الآيات أن القرآن هو الكتاب المستقيم الحافظ للبشرية، وحذرت من الانخداع بزينة الدنيا الفانية لأنها دار ممر لا مستقر. ثم جاءت قصة فتية الكهف كبرهان ناصع على أن الفرار بالدين والتوكل الكامل على الله كفيل بأن يسخر الكون وقوانينه الطبيعية (كحركة الشمس والأرض والزمن) في سبيل حماية عصبة مؤمنة صدقت مع ربها، ممهدة بذلك الطريق لعرض الفتنة الثانية التي تلي الدين مباشرة؛ وهي فتنة المال وصاحب الجنتين.

المجلس الثاني: موازين الدنيا الفانية وقصة صاحب الجنتين (الآيات: 27 - 49)
وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا (27) وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا (28) وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا (29) إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا (30) أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا (31) ۞وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا (32) كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا (33) وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا (35) وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا (36) قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا (37) لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا (38) وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا (39) فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا (40) أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا (42) وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43) هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا (44) وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا (45) ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا (46) وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا (47) وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا (48) وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا (49)

﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ … وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾﴾

لماذا الآن؟
بعد أن عرض لنا المجلس الأول قصة فتية الكهف الذين انتصروا في “فتنة الدين” واختاروا ضيق الكهف على اتساع الدنيا، ينتقل بنا السياق الآن إلى مواجهة الفتنة الثانية الأكثر انتشاراً؛ وهي “فتنة المال والولد وزينة الدنيا”. ولكي يحصّن القرآن قلوبنا قبل الخوض في هذه الفتنة، يبدأ بتوجيه النبي ﷺ والمؤمنين إلى التمسك بوحي الله، ومصاحبة البسطاء من أهل الإيمان، محذراً من الانخداع بمظاهر الأغنياء المترفين، ليمهد بذلك للنموذج العملي لفتنة المال.

فيبدأ المقطع بأمر حاسم بالتمسك بالقرآن وتلاوته، فهو الحصن والملاذ الوحيد الذي لا يتبدل: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.

ولما أمره بالتمسك بالكتاب، أمره فوراً بالانحياز لرفقة الصالحين البسطاء الذين يذكرون الله ليل نهار، والابتعاد عن مجالس الأغنياء المستكبرين: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فالإيمان والتقوى هما مقياس القيمة لا الجاه والمال.

ثم يأتي التوجيه بإعلان صدق هذا المنهج دون مداهنة لأصحاب النفوذ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، مبيناً عاقبة من يطغى بالمال والشرك عذاباً يحيط به كالسور: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، وفي المقابل يذكر النعيم المقيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات.

ولكي تتضح لنا خطورة هذه الفتنة بصورة حية، يضرب القرآن مثلاً رائعاً لرجلين؛ أحدهما غني مستكبر والآخر فقير مؤمن: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ…﴾. لقد فاضت عليه النعم بكثرة الثمار وجريان الأنهار، وبدلاً من الشكر، أصابه الغرور وتفاخر على صاحبه الفقير قائلاً: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.

ولما تملكه الكبر، دخل بستانه ظالماً لنفسه، ناكراً زوال هذه النعمة، ومشككاً في قيام الساعة: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.

وهنا ينبري له صاحبه الفقير، الغني بإيمانه، ليذكره بأصله الضعيف وبمنشئه من تراب ونطفة: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾؟ ويوجهه إلى الأدب الواجب مع النعمة بأن ينسب الفضل لله وحده: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.

ولم يتأخر العقاب الإلهي طويلاً؛ لتأتي اللحظة الحاسمة التي تدمر هذا الكبر تدميراً، فأرسل الله عاصفة من السماء أحالت الجنتين أرضاً جرداء: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾. وفي لحظة الندم الضائعة صرخ قائلاً: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، ولكن هيهات فقد ذهب المال ومات النصير وتجلت الحقيقة الكبرى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.

ولكي يرسخ القرآن هذه الحقيقة في أذهاننا، يضرب مثلاً عاماً للحياة الدنيا بأسرها؛ فهي كالمطر الذي ينبت العشب الأخضر ويزينه، وسرعان ما يجف ويتحول إلى حطام تذروه الرياح: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾.

ثم يضع ميزان القيم الحقيقي بكلمات ذهبية خالدة: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. فالمال والأولاد زينة عابرة، والعمل الصالح المخلص لله هو الباقي الشاهد.

ولما بيَّن زوال زينة الدنيا، نقلنا السياق ببراعة إلى مشهد الآخرة الرهيب؛ حيث تُسيّر الجبال، وتُحشر الخلائق صفاً واحداً: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.

وفي تلك الوقفة الكبرى، يُوضع كتاب الأعمال الذي يسجل دبيب النمل وحركات الجوارح، فترجف قلوب المجرمين ذعراً مما اقترفوا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. فكل حدائق الدنيا وأموالها ذهبت، ولم يبق مع الإنسان إلا صحيفة عمله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.

وقفة للتأمل:
تأمل الوصفة التربوية العظيمة التي علمها المؤمن لصاحبه المستكبر ليدفع بها كيد الحسد والغرور والزوال عن نعمته: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. إنها تذكرنا دائماً بأننا لا نملك مما في أيدينا شيئاً حقيقة، فكل النعم من بيتٍ، أو وظيفةٍ، أو ولدٍ هي هدايا من الله ومشيئة محضة منه، فمن واظب على هذه الكلمات عند رؤية نعمته، رزقه الله شكرها وحفظها من الزوال والتلف.

سر الترابط:
هذا المقطع يمثل “كسر قيود الفتنة المالية”. فقد ترابطت آياته لتقدم لنا تسلسلاً علاجياً؛ فبدأت بالحث على صحبة البسطاء المخلصين والتمسك بالقرآن، ثم عرضت قصة صاحب الجنتين لتبين كيف يطغى الإنسان بنعمته حتى يظن خلودها وجحود صانعها، وكيف يزول هذا الملك الزائف في طرفة عين. ثم أتبعت ذلك بمثل الدنيا السريع الزوال، لتختم بمشهد كتاب الأعمال يوم القيامة حيث تتلاشى الفروق المالية والطبقية ولا يتبقى إلا ميزان التقوى والعمل الصالح، ممهدة بذلك لفتنة أخرى يحتاج العبد فيها للأدب والتواضع وهي فتنة العلم.


المجلس الثالث: فتنة العلم ومرافقة الخضر (الآيات: 50 - 82)
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا (50) ۞مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا (51) وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا (52) وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا (53) وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا (54) وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا (55) وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا (56) وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا (57) وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا (58) وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا (59) وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا (62) قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا (63) قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا (64) فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا (65) قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا (67) وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا (68) قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا (69) قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا (70) فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا (71) قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا (73) فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا (74) ۞قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا (75) قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا (76) فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا (77) قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا (78) أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا (79) وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا (80) فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا (81) وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا (82)

( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ … ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) )

لماذا الآن؟

بعد أن عالجت السورة في المجلسين السابقين فتنة الدين (قصة فتية الكهف) وفتنة المال (قصة صاحب الجنتين)، ينتقل بنا السياق الآن لعلاج الفتنة الثالثة وهي فتنة العلم والاغترار بالمعرفة الفردية. ولكي يمهد القرآن النفوس لتقبل هذه الرحلة المعرفية الهامة، يبدأ بالتحذير من أصل الكبر والغرور العقلي؛ وهو عناد إبليس الذي رفض السجود لآدم مستكبراً بعلمه وأصله، ثم يبين كثرة جدل الإنسان واعتراضه، ليعقب ذلك مباشرة بقصة موسى والعبد الصالح (الخضر) لتقدم أعظم درس حضاري في التواضع والأدب في طلب العلم والرضا بأقدار الله الخفية.

فيبدأ المقطع بالتذكير بأصل معركة الكبر والعلم الزائف: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ). فإبليس قاده غروره بعنصره وعلمه إلى العصيان، ليتعجب السياق من البشر الذين يتبعونه ويتركون عبادة الخالق: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا).

ولما بيّن عداوة إبليس وجهله، فضح ميزان الشرك والجدل العقلي العقيم يوم القيامة حين يتخلى الشركاء عن تابعيهم: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ).

ثم يوضح القرآن أن منهج الهدى قد فُصّل في هذا الكتاب بشتى الأمثال، ولكن طبيعة النفس البشرية تميل للجدال والمحاجة تبريراً لكبرها: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا). وهذا الجدل هو الذي يحرم الإنسان من الهداية ويمنعه من الاستغفار حتى يأتيه العذاب بغتة.

ولكي يُعالج هذا الجدل الإنساني العقيم، ويُكسر الغرور المعرفي، تبدأ قصة موسى عليه السلام في رحلته للبحث عن المعرفة: (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا). فرغم مقام موسى الرفيع كرسول مكلم، إلا أنه أصر على السفر الطويل ليتعلم من رجل آخر. وبعد رحلة شاقة، يلتقي بالعبد الصالح الذي آتاه الله رحمة وعلماً غيبياً: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا).

وهنا يضرب موسى عليه السلام أروع أمثلة التواضع والأدب مستأذناً في الاتباع والتعلم: (قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا). فيجيبه الخضر بأن علم الأقدار خفي وصعب الفهم، ولن يطيق عليه صبراً: (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا).

لكن موسى يتعهد بالصبر والالتزام بشرط الخضر ألا يسأله عن شيء حتى يفسره هو بنفسه. فتبدأ الرحلة بثلاث محطات مثيرة ومحيرة للعقل البشري المحدود:

المحطة الأولى: خرق السفينة: (فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا). فعل ظاهره الضرر والشر الصرف، وموسى يعترض بدافع العدالة.

المحطة الثانية: قتل الغلام: (فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا). جريمة كبرى في ظاهرها البشري، واعتراض موسى يشتد.

المحطة الثالثة: بناء الجدار في قرية بخلت بإطعامهم: (فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ). تصرف غير منطقي في عرف البشر؛ مكافأة المسيء بالبناء المجاني، ليعترض موسى للمرة الثالثة طالباً الأجر.

وهنا تنتهي الرحلة المعرفية ليعلن الخضر الفراق مفسراً أسرار تلك الأقدار الإلهية الرحيمة التي تخفت وراء الستار:
أما السفينة، فكانت لمساكين يعملون في البحر، وكان وراءهم ملك ظالم يغتصب كل سفينة صالحة، فكان عيبها الطفيف هو سبب نجاتها وبقائها لهم.
وأما الغلام، فكان في علم الله كافراً عاقاً سيرهق والديه المؤمنين طغياناً وكفراً، فأراد الله موته رحمة بوالديه ليبدلهما خيراً منه طهارة وبراً.
وأما الجدار، فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وتحته كنز مدفون لهما، وكان والدهما رجلاً صالحاً، فأراد الله حفظ الكنز حتى يكبرا رحمة منه ووفاء لصلاح والدهما.

لتنتهي القصة بالقضاء التام على الاستعلاء المعرفي البشري وإسناد كل تدبير لله رب العالمين: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).

وقفة للتأمل:

تأمل كيف حفظ الله كنز اليتيمين بصلاح والدهما الذي قد يكون مات منذ زمن طويل: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا). هذا القانون الإلهي العظيم يمنح الآباء والأمهات طمأنينة كبرى على مستقبل أولادهم؛ فالضمان الحقيقي والأمان المستقبلي للأبناء لا يكمن في مراكمة الأموال وحسابات البنوك، بل في صلاح الآباء وتقواهم وسيرتهم الطيبة، حيث يسخر الله من يحمي ذريتهم ويحفظ حقوقهم وفاءً لصلاحهم.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة الرضا بالأقدار وكسر الغرور المعرفي”. فقد ترابطت آياته لتقدم لنا علاجاً متكاملاً؛ فبدأت بفضح كبر إبليس الفكري الذي جعله يظن نفسه أعلم وأفضل من آدم، ثم بينت أن كثرة الجدل تحجب الإنسان عن الهداية. وجاءت قصة موسى والخضر لتعلمنا رغماً عن جلال قدر موسى، أن علم البشر المحدود لا يرى إلا السطح والظاهر، بينما يسير الكون بعلم الله المحيط والرحيم الذي يخبئ الخير والرحمة في باطن المحن والشرور الظاهرة، مما يمهد الطريق لعرض الفتنة الرابعة والأخيرة في السورة وهي فتنة السلطة والتمكين.


المجلس الرابع والأخير: فتنة السلطة وقصة ذي القرنين وختام السورة (الآيات: 83 - 110)
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا (84) فَأَتۡبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا (87) وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا (88) ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا (90) كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا (91) ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا (93) قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا (95) ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا (96) فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا (97) قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا (98) ۞وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا (99) وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا (100) ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا (101) أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا (102) قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا (103) ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا (104) أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا (105) ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا (107) خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا (108) قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا (109) قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا (110)

( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) … وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) )

لماذا الآن؟

بعد أن عالجت السورة الفتن الثلاث السابقة: الدين (الفتية)، والمال (صاحب الجنتين)، والعلم (موسى والخضر)، نصل الآن إلى الفتنة الرابعة والأخيرة وهي فتنة السلطة والجاه والتمكين في الأرض. ولكي يرينا القرآن النموذج الكامل للقيادة الراشدة التي تنتصر على هذه الفتنة، يعرض لنا قصة الملك العادل “ذي القرنين”، الذي سخر قوته وجيشه لنصرة الضعفاء وإقامة العدل، عازياً الفضل كله لله، لتختم السورة بعد ذلك ببيان ميزان الأعمال الحقيقي يوم القيامة ومصير المستكبرين والمؤمنين، واضعة التوحيد الخالص كعلاج نهائي لجميع فتن الحياة.

فيبدأ المقطع بطرح السؤال الذي كان يشغل بال المشركين بتوجيه من اليهود: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا). فقد كان ملكاً طاف الأرض شرقاً وغرباً، وأعطاه الله من أسباب القوة والتمكين ما يسهل له فتح البلاد: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا).

ويعرض القرآن مسيرته العادلة من خلال ثلاث رحلات كبرى:

الرحلة الأولى نحو الغرب: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا). وهناك خيّره الله بين العقاب والإحسان، فأعلن دستوره العادل فوراً بنصرة المظلوم ومعاقبة المفسد: (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ… وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ).

الرحلة الثانية نحو الشرق: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا). فتركهم على طبيعتهم البسيطة دون بطش أو استغلال لضعفهم، بل أدار ملكه برحمة وعدل.

الرحلة الثالثة بين الجبلين: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا). وهناك استغاث به أولئك الضعفاء ليحميهم من إفساد وبطش قبائل “يأجوج ومأجوج” مقابل مال يجمعونه له: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا).

وهنا يظهر كمال عفة ذي القرنين وتواضعه؛ فرفض أخذ أموالهم معلناً أن تمكين الله له غنى عن أموالهم، وطلب منهم فقط المعونة البشرية الفعالة: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا). فقام بمشروع هندسي معجز؛ حيث صب الحديد والنحاس المذاب لبناء سد عظيم عجز المفسدون عن تسلقه أو نقبه: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا).

وبدلاً من الفخر بقوته وعبقريته الهندسية، نسب الفضل كله لرحمة الله محذراً من أن هذا السد سينهار يوماً ما بأمر الله: (قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا).

ومع انهيار السد واقتراب القيامة، يعرض السياق مشهد الحشر والجزاء الحاسم؛ حيث تُعرض جهنم للكافرين الذين غطت غفلتهم وكبرهم أعينهم عن رؤية الحق: (وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي).

ثم يتساءل القرآن مستنكراً عن أكبر الخاسرين أعمالاً يوم القيامة: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا). إنها الخسارة الكبرى لمن يغتر بإنتاجه الدنيوي الزائف دون إيمان؛ فمشاريعهم وقدراتهم ستتلاشى ولن توزن في ميزان الله: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا). وفي المقابل، يُفتح النعيم الخالد لأصحاب الإيمان والعمل الصالح في الفردوس الأعلى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا).

ولما كان علم الله وتدبيره واسعاً يحيط بكل الفتن وتفاصيل الكون، يضرب السياق مثلاً بليغاً لعجز البشر عن إحاطة كلام الله وعلمه: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا).

لتختم السورة الكريمة بنفي صفات الألوهية عن البشر وتأكيد العبودية والرسالة، واضعة العلاج الجذري لجميع فتن السورة الأربع؛ وهو الإيمان بالوحي وإخلاص التوحيد وتجنب الشرك: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).

وقفة للتأمل:

تأمل الكلمات الرائعة التي قالها ذو القرنين لأصحاب الحاجة: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ). لقد كان قادراً على بناء السد بجيشه وعماله وحدهم، ولكنه أراد أن يعلمنا درساً بليغاً في الإدارة والتربية؛ فالقائد الناجح لا يبني مجتمعاً اتكالياً ينتظر المساعدة الخارجية فقط، بل يقوم بإشراك أصحاب القضية أنفسهم، وتدريبهم، واستخراج طاقاتهم الكامنة ليسهموا بأيديهم في بناء أمنهم وحماية مستقبلهم.

سر الترابط:

هذا المقطع يمثل “وقفة الحسم وإعلان العلاج الشافي”. فقد ترابطت آياته لتقدم لنا ختاماً باهراً للسورة؛ فبعد أن رأينا الفشل الإنساني في مواجهة فتن الدين والمال والعلم عند البعد عن هدى الله، جاءت قصة ذي القرنين لتثبت أن “فتنة السلطة” والجاه والتمكين العسكري يمكن الانتصار عليها عندما يُسخر الحاكم قوته لإحقاق الحق وخدمة المستضعفين متواضعاً لله. ثم التفتت السورة في ختامها لتضع ميزاناً عادلاً يفصل بين الخاسرين الذين ضل سعيهم الدنيوي، وبين المؤمنين الوارثين للفردوس، لتجتمع فتن السورة كلها في دواء واحد صاغته الآية الأخيرة: العبودية لله، والعمل الصالح، والتوحيد الخالص بلا شرك.